أخبار محلية

«الإخوان المسلمين» يتآكلون بصمت.. الحظر الخارجي والانقسام الداخلي

نافذة اليمن 18/08/2026 17:08 249 مشاهدة
«الإخوان المسلمين» يتآكلون بصمت.. الحظر الخارجي والانقسام الداخلي

يبدو أن تنظيم الإخوان المسلمين تمر بواحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ عقود، بعدما تراجع حضورها السياسي في عدد من الدول العربية، وتعرضت قياداتها للملاحقة والسجن أو اضطرت إلى المنفى، بالتزامن مع انقسامات داخلية أضعفت قدرتها على العمل كتنظيم عابر للحدود.

وتسلط مجلة إيكونوميست البريطانية الضوء على هذا التراجع، معتبرة أن الجماعة التي بدت قبل نحو عقد ونصف واحدة من أبرز المستفيدين سياسياً من موجة الاحتجاجات العربية التي بدأت في تونس أواخر عام 2010، باتت اليوم أمام واقع مختلف تماماً، عنوانه الأبرز: الانحسار السياسي، الضغوط الأمنية، وتآكل وحدة التنظيم.

وبحسب التقرير، فإن التحول يبدو لافتاً عند مقارنته بما كانت عليه الجماعة بعد اندلاع احتجاجات 2011؛ ففي مصر تمكنت قوى مرتبطة بها من الوصول إلى الحكم، فيما تصدرت حركة النهضة، ذات المرجعية الإخوانية، المشهد البرلماني في تونس. لكن صعود الإسلام السياسي لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما اصطدم بتحولات سياسية وأمنية واجتماعية أعادت رسم المشهد في المنطقة.

من صعود سياسي إلى ملاحقات وضغوط

لم يكن تراجع الإخوان نتيجة عامل واحد، بل جاء في سياق سلسلة من الانتكاسات المتراكمة. ففي مصر، انتهى حكم الجماعة بعد عام واحد من وصول محمد مرسي إلى الرئاسة عام 2012، لتدخل بعدها في مواجهة واسعة مع السلطات المصرية، شملت قياداتها وهياكلها وشبكاتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتشير وكالة رويترز إلى أن الجماعة، التي فازت بأول انتخابات رئاسية حرة في مصر عام 2012، تعرضت منذ إطاحة مرسي في العام التالي لحملة واسعة من القمع والملاحقات.

وفي تونس، لم يكن المشهد أكثر استقراراً بالنسبة إلى حركة النهضة، التي تصدرت الحياة السياسية لسنوات قبل أن تتراجع مكانتها وسط تحولات سياسية حادة، فيما واجه رئيسها راشد الغنوشي أحكاماً بالسجن.

وبذلك، فقد التنظيم في دولتين كانتا تمثلان مركزين رئيسيين لنفوذه السياسي، القدرة على تحويل الحضور الشعبي والتنظيمي إلى مشروع سياسي مستقر، وهو ما يضعف واحدة من أهم الحجج التي قدمتها الجماعة تاريخياً عن قدرتها على الجمع بين النشاط الدعوي والعمل السياسي.

وجاءت الضغوط الدولية لتضيف طبقة جديدة من الأزمة. ففي 24 نوفمبر 2025، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بدأ بموجبه مساراً للنظر في تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، على خلفية اتهامات أميركية بدعم العنف وزعزعة الاستقرار وتقديم دعم لحركة حماس.

وفي 13 يناير 2026، تحولت تلك الخطوة إلى إجراءات فعلية، عندما صنفت الولايات المتحدة الفروع المصرية والأردنية واللبنانية وفق آليات مكافحة الإرهاب؛ فصنفت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني كـ إرهابيين عالميين محددين بشكل خاص ، بينما صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني منظمة إرهابية أجنبية إلى جانب إدراجه ضمن التصنيف الآخر.

ولا يمثل هذا القرار مجرد إجراء قانوني أميركي، بل يحمل تداعيات سياسية ومالية على شبكة تنظيمية تعتمد تاريخياً على امتدادها الدولي وتداخل شبكاتها المالية والاستثمارية. كما أنه يضع فروعاً مختلفة من التنظيم أمام ضغوط متزايدة بشأن مصادر التمويل والعلاقات الخارجية.

وفي تقييم التهديدات لعام 2026، قالت الاستخبارات الأميركية إن انتشار الفكر الإسلامي السياسي، وفي بعض الحالات عبر أفراد ومنظمات مرتبطة بالإخوان المسلمين، يمثل تهديداً للمبادئ التي تقوم عليها الحرية والنظام الغربي، وربطت ذلك باستخدام بعض الجماعات للأيديولوجيا في التجنيد وتوفير الدعم المالي لجماعات إرهابية.

الانقسام الأخطر.. صراع على الشرعية

لكن ربما تكون الضربة الأشد تأثيراً على الجماعة داخلية أكثر منها خارجية. فمنذ عام 2021، دخل التنظيم في صراع مفتوح على القيادة بين جناحين، بعد خلافات بين إبراهيم منير، الذي كان يدير الجماعة من منفاه في لندن، ومحمود حسين، الأمين العام السابق للتنظيم.

وتطور الخلاف إلى انقسام عملي، بحيث أصبح لكل طرف قيادته ومجلس شوراه ومنصاته الإعلامية، فيما يصر كل جناح على امتلاك الشرعية التنظيمية. وبعد وفاة منير عام 2022، تولى صلاح عبد الحق قيادة جناحه، بينما حافظ جناح محمود حسين على وجوده في إسطنبول، مع امتلاكه نفوذاً على جزء من الممتلكات والشركات والاستثمارات التابعة لشبكة التنظيم.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: جماعة بنت جزءاً كبيراً من قوتها على الانضباط التنظيمي والقدرة على العمل من خلال هيكل هرمي شديد التماسك، أصبحت اليوم منقسمة على السؤال الأساسي: من يمثل الجماعة ومن يملك حق اتخاذ القرار باسمها؟

ولم يعد الخلاف مجرد تنافس على المناصب، بل تحول إلى نزاع على الأموال والممتلكات والموارد وشبكات النفوذ، الأمر الذي يعكس عمق الأزمة التي يعيشها التنظيم.

في الأردن، تلقت الجماعة ضربة إضافية بعدما حظرت السلطات التنظيم في أبريل 2025، في خطوة أنهت عملياً مساحة واسعة من النشاط العلني للجماعة، كما فرضت قيوداً على ذراعها السياسية، حزب جبهة العمل الإسلامي.

ويكتسب التطور الأردني أهمية خاصة؛ فالجماعة كانت لعقود تمتلك حضوراً اجتماعياً وسياسياً منظماً في البلاد، وتمكنت عبر ذراعها السياسية من الحفاظ على موطئ قدم داخل الحياة العامة. لكن الحظر، إلى جانب التصنيف الأميركي اللاحق، يجعل الحركة الأردنية أمام بيئة أكثر صعوبة، ويحد من قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها بالطريقة التقليدية.

ويمتد التراجع إلى حركة حماس، التي ترتبط فكرياً وتاريخياً بجماعة الإخوان المسلمين. فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 ألحقت دماراً واسعاً بالقطاع وضربت البنية العسكرية والتنظيمية لحماس، مع استمرار استهداف قياداتها وقدراتها العسكرية.

ومع أن حماس لا تزال لاعباً رئيسياً في المشهد الفلسطيني، فإن حجم الخسائر التي تعرضت لها خلال الحرب، إلى جانب تراجع قدراتها مقارنة بما قبل الحرب، يضع الحركة أمام واقع جديد أكثر تعقيداً.

وتكشف هذه الحالة، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، عن محدودية قدرة التنظيمات المرتبطة بالإخوان على الحفاظ على قوتها عندما تنتقل من العمل السياسي والاجتماعي إلى مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة.

وفي سوريا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً في اتجاه آخر. فبعد سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، لم يتمكن الإخوان المسلمون من التحول إلى قوة سياسية مركزية في النظام الجديد، رغم تاريخهم الطويل في المعارضة السورية.

ويظل حضور الجماعة محدوداً في البرلمان السوري الجديد، فيما دعا أحمد زيدان، مستشار الرئيس أحمد الشرع، الفرع السوري للإخوان إلى التفكير في حل نفسه، في مؤشر يعكس تراجع الرهان على إعادة إنتاج التنظيم بصيغته القديمة.

ويرى الباحث السوري المتخصص في الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج أن الإسلام السياسي لم يعد يحتل المكانة نفسها في سوريا الجديدة، وهو ما يضيف جبهة أخرى إلى قائمة التحديات التي تواجه التنظيم.

أزمة أعمق من مجرد حظر

وبعيداً عن الضغوط الحكومية والتصنيفات الدولية، تكشف حالة الإخوان عن أزمة بنيوية أعمق: الجماعة لم تعد تمتلك البيئة السياسية التي ساعدتها على الصعود قبل أكثر من عقد، ولا الوحدة التنظيمية التي مكنتها من تجاوز الأزمات السابقة.

ففي السابق، كان التنظيم قادراً على تقديم نفسه باعتباره شبكة متماسكة تمتلك حضوراً اجتماعياً واسعاً، وذراعاً سياسية قادرة على المنافسة، وشبكات مالية وتنظيمية عابرة للحدود. أما اليوم، فقد تآكلت هذه المزايا واحدة تلو الأخرى.

وفي الوقت الذي خسرت فيه الجماعة مواقع سياسية مهمة في مصر وتونس والأردن، تواجه فروعها الأخرى ضغوطاً أمنية وقانونية متزايدة، بينما يتنازع جناحان على قيادة التنظيم الدولي وموارده.

والأهم أن الأزمة لم تعد مقتصرة على قدرة الإخوان على الوصول إلى السلطة، وإنما أصبحت تتعلق بقدرتهم على الحفاظ على وحدة التنظيم نفسه وإقناع أعضائهم وجمهورهم بجدوى النموذج السياسي الذي طرحوه خلال السنوات الماضية.

دفع هذا الواقع بعض الأعضاء السابقين في التنظيم إلى الدعوة للابتعاد عن العمل السياسي والعودة إلى النشاط الدعوي، في محاولة لإعادة بناء التنظيم بعيداً عن صدامات السلطة. لكن هذه الخطوة، إن حدثت، لن تكون سهلة؛ لأن عقوداً من العمل السياسي خلقت مصالح وشبكات نفوذ وارتباطات مالية وتنظيمية يصعب فصلها بمجرد قرار داخلي.

ويبدو تنظيم الإخوان أمام مفترق طرق حقيقي: إما مراجعة جذرية لطريقة عملها وخطابها وعلاقتها بالسياسة، أو الاستمرار في إدارة صراعاتها الداخلية في وقت تتسع فيه دائرة القيود الخارجية.

واللافت أن التحدي الأكبر أمام التنظيم لم يعد فقط في الحكومات التي تلاحقه أو الدول التي تحظره، بل في السؤال الذي بات يفرض نفسه من داخل صفوفه: هل ما زال الإخوان يمثلون مشروعاً سياسياً قادراً على استعادة نفوذه، أم أن التنظيم دخل مرحلة جديدة يتحول فيها من قوة إقليمية صاعدة إلى شبكة متفرقة تكافح للحفاظ على ما تبقى من نفوذها؟

وبحسب المعطيات التي أوردها تقرير إيكونوميست ، فإن المؤشرات الحالية تميل بوضوح إلى الخيار الثاني؛ فبعد سنوات من الصعود، تبدو الجماعة اليوم محاصرة بين الحظر في بعض الدول، والملاحقة في دول أخرى، والتصنيفات الدولية، والخسائر السياسية، والانقسامات التنظيمية، في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها منذ تأسيسها.