في الوقت الذي تشتعل فيه أسعار المستلزمات المعيشية وتئن الأسر تحت وطأة أزمات اقتصادية خانقة، تتكرر في مدينة تعز كل موسم دراسي فصول مسرحية سنوية بات المواطن يحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب؛ قرارات صارمة وصيغ توجيهية حازمة تصدر من رأس السلطة المحلية، تليها أحكام قضائية واضحة، ليصير كل ذلك في النهاية بـ "حبر على ورق" في أدراج المكاتب التنفيذية.
توجيهات فوق الرفوف وعنتريات "الفلاشات"
آخر هذه الفصول تمثل في التعميم الصادر عن محافظ المحافظة الموجه إلى وكيل المحافظة لشئون الخدمات، ومدير عام مكتب التربية والتعليم، ومدراء عموم المديريات والمجالس المحلية. قضى التعميم بالزام المدارس الأهلية والخاصة في عموم المديريات بالتنفيذ الحرفي والفوري لقرار المحافظ والأمر القضائي الصادر عن محكمة غرب تعز بشأن رسوم المدارس الأهلية، وتفعيل الرقابة المشددة واتخاذ جزاءات رادعة تصل إلى سحب التراخيص والإغلاق الإداري والإحالة إلى النيابة لكل مدرسة مخالفة.
لكن الميدان يروي قصة أخرى تماماً؛ فما إن صدرت التوجيهات حتى تسابق بعض مديري المديريات ومسؤولي التربية لتحويل مقار عملهم إلى استوديوهات تصوير سينمائي ومسارح لعرض "البطولات الوهمية" عبر الكاميرات ووسائل التواصل الاجتماعي، متناسين أن أولياء الأمور لا يعنيهم وميض الفلاشات ولا الديباجات الفخمة بقدر ما يعنيهم النزول الميداني الفعلي لضبط المدارس التي رفعت رسومها بنسب فلكية بلغت 300% دفعة واحدة.
بين المطرقة القضائية وسندان التقاعس الإداري
الغطاء القانوني والقضائي يبدو مكتملاً تماماً لصالح المواطن؛ إذ جاءت هذه التحركات استناداً للقرار الصادر عن القاضي تركي الرعيني رئيس محكمة غرب تعز الابتدائية، والذي قضى بإلزام المدارس الأهلية بالامتناع عن فرض أو تحصيل أي زيادات تتجاوز ما هو مقرر في قرار المحافظ رقم (37) لسنة 2024م حتى يتم الفصل النهائي في القضية.
هذا القرار جاء ليفرمل "التسعيرات المزاجية" التي تفرضها إدارات المدارس الأهلية مع مطلع كل عام دراسي تحصيلاً لأرباح خيالية على حساب أسر أنهكها الفقر والعجز المالي، الأمر الذي دفع مئات الآباء إلى التفكير مكرهين بنقل أبنائهم إلى المدارس الحكومية المكتظة أصلاً.
المحك الحقيقي: نجاح ميداني أم زوبعة إعلامية جديدة؟
مع بدء التسجيل للعام الدراسي الجديد (2026 - 2027م)، يقف الشارع التعزي مترقباً وساخراً في آن واحد من أداء الأجهزة التنفيذية. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة على طاولة المسؤولين: هل ستتحول هذه التوجيهات إلى "حزم وحسم " ملموس على الأرض يوقف جشع المستثمرين ويحمي ظهر ولي الأمر المكسور؟ أم أن الفشل سيكون حليف المديريات مجدداً، لتبقى قرارات المحافظ والأحكام القضائية مجرد حبر على ورق، وتتحول هيبة الدولة إلى مجرد "ضجيج بلا طحين" خلف شاشات الهواتف المحمولة؟
الأيام القاد وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت السلطة المحلية جادة في فرض هيبة القانون، أم أن كائنات "الفلاشات" ستظل تقتات على التصفيق الإلكتروني على حساب وجع ومستقبل أطفال تعز.