أخبار محلية

24 أغسطس.. جيلٌ شاهد على مشروع الديمقراطية ودولة المؤسسات

24 أغسطس.. جيلٌ شاهد على مشروع الديمقراطية ودولة المؤسسات

في ذاكرة اليمنيين تواريخ لا تمر كغيرها من الأيام؛ لأنها ترتبط بمراحل صنعت ملامح الدولة، وفتحت أبواباً، جديدة في الحياة السياسية والاجتماعية والوطنية.

ويأتي الرابع والعشرون من أغسطس في مقدمة هذه التواريخ، باعتباره اليوم الذي تأسس فيه المؤتمر الشعبي العام عام 1982، وانطلقت معه تجربة سياسية ارتبطت بمشروع وطني واسع حمل في جوهره فكرة الدولة والمؤسسات والمشاركة الشعبية.

لم يكن المؤتمر الشعبي العام، في بدايته، مجرد إطار حزبي بالمعنى التقليدي، بل جاء في سياق محاولة لجمع مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية والوطنية تحت مظلة واحدة، وصياغة رؤية وطنية تستوعب قضايا الدولة والمجتمع والتنمية والسياسة.

وفي المؤتمر الشعبي العام الأول الذي انعقد في صنعاء خلال أغسطس 1982، أُقر الميثاق الوطني بوصفه وثيقة مرجعية للعمل السياسي، كما أُقرت الهياكل التنظيمية والنظام الأساسي للمؤتمر. وتشير المصادر التي توثق مسار الميثاق إلى أن عملية إعداده بدأت قبل التأسيس، وأن لجنة شكّلت لصياغته، ثم جُمعت الملاحظات من المواطنين عبر لجان شعبية، قبل أن يُقر في المؤتمر الأول.

وهنا تكمن إحدى الدلالات المهمة لذكرى 24 أغسطس.... أن الحديث عن المؤتمر لا ينفصل عن الحديث عن فكرة الميثاق الوطني، وعن محاولة بناء إطار سياسي يستند إلى رؤية شاملة لقضايا اليمن.

من الميثاق إلى مشروع الدولة

كان مفهوم الدولة حاضراً بقوة في الأدبيات السياسية للمؤتمر وميثاقه الوطني؛ بل كان لب الغاية والمشروع هو مشروع بناء الدولة.

دولة تقوم على الدستور والقانون، ومؤسسات مدنية، وإدارة منظمة، ومشاركة سياسية، وحماية للسيادة الوطنية، وتعزيز لمؤسسات الدولة.

وهذه المفاهيم لم تبقي حبيسة الوثائق؛ فقد تحولت على امتداد السنوات إلى مسار سياسي ومؤسسي شهد توسعاً في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وارتبطت به مشاريع في التعليم والصحة والطرق والمياه والكهرباء والإدارة المحلية وغيرها من المجالات التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لليمنيين.

ولجيل وُلد في الثمانينيات والتسعينيات، لم يكن مفهوم الدولة درسًا نظرياً في كتاب.

كان مدرسة يذهب إليها كل صباح، ومستشفى يقصده عندما يمرض، وطريقاً يسلكه في سفره.

وجامعة يطمح إلى الوصول إليها، ومؤسسة حكومية يراجعها لإنجاز معاملته.

وراتباً، ينتظره الموظف في موعده، وانتخابات يذهب إليها المواطن ليضع صوته في صندوق الاقتراع.

لهذا فإن ذاكرة ذلك الجيل تمثل وثيقة اجتماعية مختلفة؛ فهي لا تتحدث عن الدولة من وراء المكاتب، وإنما من خلال تفاصيل الحياة اليومية.

جيل الثمانينيات.. الدولة كما عرفها في طفولته

هيثم القيسي، من مواليد الثمانينيات، ينتمي إلى جيل عاش سنوات تشكل الدولة وتوسع مؤسساتها، ويستعيد تلك المرحلة من خلال تجربته الشخصية.

يقول إنه درس وتعلم وعاش طفولته في ظروف كانت فيها احتياجاته الأساسية متوفرة، ويتذكر التعليم والمياه والمدارس والمستشفيات والجامعات ومشاريع الطرق، كما يتذكر مشاركته في أكثر من انتخابات وإدلائه بصوته.

بالنسبة إليه، لم تكن الديمقراطية كلمة سياسية مجردة؛ كانت ممارسة عاشها المواطن من خلال المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، كما لم تكن الدولة مجرد أجهزة رسمية، وإنما خدمات ومؤسسات ومشاريع يلمس أثرها في حياته اليومية.

وهذه الشهادة تكشف جانباً مهماً، من تجربة ذلك الجيل.

فالأجيال لا تتذكر الدولة من خلال نصوص الدساتير وحدها، وإنما من خلال حضورها في حياتها.

الطالب يتذكر مدرسته، المعلم يتذكر راتبه، المريض يتذكر المستشفى.

الموظف يتذكر مؤسسته،والمواطن يتذكر صندوق الانتخابات.

وهكذا تتحول الدولة من مفهوم سياسي إلى ذاكرة إنسانية.

المعلم.. حين تصبح الدولة راتبًا واستقراراً

ومن قطاع التعليم تأتي شهادة أخرى تكشف جانباً من تلك الذاكرة.

جميلة حسين، وهي معلمة تربوية، تستعيد سنوات عملها في التعليم من خلال ما عاشه المعلمون من استقرار مادي ودعم معنوي، وتشير إلى انتظام المرتبات، إلى جانب العلاوات والمكافآت والمرتبات الإضافية في مناسبات مثل رمضان والأعياد الدينية.

وراء هذه التفاصيل الصغيرة قصة أكبر.

فالتعليم لا يقوم على المناهج والمباني وحدها، وإنما يقوم قبل كل شيء على المعلم.

وحين يشعر المعلم بالاستقرار الوظيفي، يصبح قادراً على التركيز على رسالته التربوية، ويشعر أن الدولة تنظر إلى التعليم بوصفه وظيفة وطنية لا مجرد مهنة.

ولهذا، فإن استعادة ذاكرة المعلمين ليست حنيناً إلى الراتب فقط، وإنما استعادة لصورة مرحلة كان فيها التعليم جزءاً من مشروع بناء مؤسسات الدولة.

جيل التسعينيات.. طفولة بلا أسئلة مستحيلة

أما آدم أحمد، من مواليد التسعينيات، فيستعيد تلك المرحلة من زاوية مختلفة.

يقول إنه لم يعرف في طفولته ودراسته الأساسية أنه طلب شيئاً من والده يتعلق بالمدرسة ولم يتحقق له.

قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تختصر الكثير.

فالطفل لا يعرف عادةً كيف تعمل موازنة الدولة، ولا يعرف حجم الإنفاق العام، ولا يقرأ بيانات المؤسسات الحكومية.

هو يعرف فقط أن المدرسة موجودة، وأن والده قادر على توفير احتياجاته، وأن التعليم يمضي بصورة طبيعية.

وعندما يقارن آدم بين طفولته وطفولة الأطفال اليوم، يرى فارقاً، كبيراً.

وهنا يصبح الحديث عن 24 أغسطس حديثاً، عن ذاكرة جيل كامل؛ جيل كانت لديه أحلام تتجاوز مجرد البقاء، لأن أساسيات الحياة كانت تمنحه مساحة للتفكير في المستقبل.

الديمقراطية.. حين كان المواطن جزءاً من المشهد

ومن أبرز المحطات التي ارتبطت بمشروع الدولة في اليمن مرحلة التعددية السياسية التي أعقبت قيام الوحدة اليمنية عام 1990.

فقد دخل اليمن مرحلة سياسية جديدة، وأصبحت الانتخابات التعددية إحدى أبرز أدوات المشاركة السياسية.

شهدت البلاد انتخابات نيابية في أعوام 1993 و1997 و2003، وانتخابات محلية عام 2001، وانتخابات رئاسية عام 1999 ثم عام 2006. وتوثق المصادر مشاركة المؤتمر الشعبي العام في هذه الاستحقاقات، إلى جانب أحزاب سياسية متعددة.

وكانت انتخابات أبريل 1993 محطة بارزة في التجربة البرلمانية اليمنية، باعتبارها أول انتخابات نيابية تعددية بعد قيام الوحدة، بينما شهدت انتخابات 2003 مشاركة واسعة، وبلغت نسبة المشاركة فيها 76.6% وفق البيانات التي يوثقها مركز صنعاء للدراسات.

كما شهدت البلاد أول انتخابات رئاسية تنافسية مباشرة عام 1999، ثم انتخابات رئاسية ومحلية متزامنة عام 2006، في تجربة انتخابية جعلت صندوق الاقتراع جزءاً من المشهد السياسي اليمني.

وهكذا نشأ جيل يرى الانتخابات ممارسة طبيعية من ممارسات الحياة العامة.

جيل يعرف أن صوته يمكن أن يوضع في صندوق.

وأن البرلمان يُنتخب، وأن المجالس المحلية لها انتخابات، وأن الحياة السياسية يمكن أن تُدار عبر المؤسسات والاستحقاقات الدستورية.

المؤتمر والوحدة.. من مشروع سياسي إلى إطار وطني

لا يمكن قراءة تجربة المؤتمر الشعبي العام بعيداً عن التحول الأكبر الذي شهده اليمن بإعلان الوحدة في 22 مايو 1990.

فالمؤتمر الذي تأسس عام 1982 كان هو النواة الاولي والمؤسس الاول للوحدة اليمنية، وابرز بل اول المكونات السياسية الرئيسية التي دخلت مرحلة الجمهورية اليمنية الجديدة، وادارة، السلطة في المرحلة الانتقالية مع الحزب الاشتراكي اليمني، ثم شارك في حكومات ائتلافية لاحقة مع قوى سياسية أخرى.

وتوثق المصادر الرسمية اليمنية مسار مشاركة المؤتمر في الحكومات والاستحقاقات الانتخابية منذ قيام الوحدة.

وهنا تظهر فكرة مهمة.. . المؤتمر لم يكن منفصلاً عن مشروع الوحدة، بل كان صانعها وابرز،  الأطر السياسية التي واصلت العمل داخل الدولة اليمنية الموحدة.

ومن هذه الزاوية، تصبح ذكرى 24 أغسطس متصلة بذكرى 22 مايو؛ فالأولى تستعيد تأسيس إطار سياسي وطني، والثانية تستعيد قيام الجمهورية اليمنية الموحدة.

الدولة التي يتذكرها جيل كامل

ربما يكون أكثر ما يميز هذا الجيل أنه لم يكن ينظر إلى الدولة بوصفها فكرة بعيدة.

لقد لمسها، جيل عاش التعليم الحكومي، وجيل شاهد توسع الطرق، وجيل عرف المستشفيات والجامعات، وجيل عاش الانتخابات، وجيل عمل في مؤسسات الدولة.

وجيل عرف معنى أن يكون للموظف ملف وظيفي، وللطالب مدرسة، وللمعلم راتب، وللمواطن صندوق انتخابي.

وهذه التفاصيل هي التي تمنح الحديث عن دولة المؤسسات، معناه الحقيقي.

فالدولة لا تُبنى بالشعارات، تبنى عندما تصبح المؤسسة جزءاً من حياة المواطن.

وحين يصبح القانون مرجعاً، والوظيفة العامة مسؤولية، والتعليم حقًا، والصحة خدمة، والانتخابات وسيلة للمشاركة.

والإدارة المحلية قناةً للتواصل بين المواطن والدولة.

24 أغسطس.. ذاكرة جيل وشهادة على مرحلة

بعد أربعة وأربعين عاماً، من تأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا تزال ذكرى 24 أغسطس قادرة على استحضار مرحلة كاملة من التاريخ اليمني الحديث.

مرحلة ارتبط فيها اسم المؤتمر بالعمل السياسي الوطني، وبالميثاق الوطني، وبمؤسسات الدولة، وبالوحدة اليمنية، وبالتجربة الانتخابية والتعددية السياسية.

لكن القيمة الأهم لهذه الذكرى ربما تكمن في الإنسان الذي عاش تلك المرحلة.

فالأرشيف الحقيقي ليس فقط في الوثائق.

الأرشيف أيضاً في ذاكرة الناس.

في هيثم الذي يتذكر مدرسته ومشاريع المياه والطرق والانتخابات.

وفي جميلة التي تتذكر استقرار المعلم وانتظام راتبه والعلاوات والمكافآت.

وفي آدم الذي يتذكر طفولة لم يكن فيها توفير مستلزمات المدرسة معركة مع الأسرة.

هذه ليست مجرد ذكريات شخصية.

إنها شهادات من جيل شاهد اليمن وهو يبني مؤسساته، وشاهد الدولة وهي تدخل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

من ذاكرة الماضي إلى مسؤولية المستقبل

إن استعادة 24 أغسطس لا ينبغي أن تكون مجرد وقفة عند تاريخ تأسيس حزب، بل فرصة لاستعادة فكرة أكبر... فكرة الدولة اليمنية القوية بمؤسساتها، والوطن الجامع لأبنائه، والديمقراطية التي تجعل المواطن شريكاً، في صناعة القرار.

فالأحزاب قد تختلف، والسياسات تتغير، والقيادات تتعاقب، لكن الدولة تبقى هي الإطار الذي يجمع الجميع.

والجيل الذي عاش تلك المرحلة يحمل اليوم مسؤولية نقل ذاكرتها إلى الأجيال الجديدة؛ لا باعتبارها حكاية سياسية فحسب، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية عاش فيها اليمنيون سنوات من التعليم والعمل والمشاركة الانتخابية وبناء المؤسسات.

وفي ذكرى 24 أغسطس، ربما تكون الرسالة الأهم هي أن اليمن الذي عرفه جيل الأمس لم يكن مجرد خريطة أو شعار.

كان دولة تتشكل.

ومؤسسات تتوسع.

ومدارس تفتح أبوابها.

وجامعات تستقبل أبناءها.

وطرقاً تصل المدن والقرى.

مواطناً يذهب إلى صندوق الاقتراع، ومعلماً ينتظر راتبه.

وطفلاً يعود من مدرسته وفي ذهنه سؤال واحد... ماذا سأصبح عندما أكبر.

ذلك الجيل لم يعش يوم تأسيس المؤتمر الشعبي العام.

لكنه عاش أثر مرحلة كاملة، ومن ذاكرته يمكن قراءة معنى 24 أغسطس باعتباره ذكرى مشروع سياسي ارتبط، في وجدان جيل، بمشروع بناء الدولة والمؤسسات والمشاركة الديمقراطية والوحدة الوطنية.

وفي النهاية، قد تتغير الأزمنة، لكن تبقى قيمة التجارب الوطنية فيما تتركه من مؤسسات وذاكرة وأمل.

وما يريده اليمنيون اليوم، كما أراده جيل الأمس، ليس أكثر من وطن تحكمه المؤسسات، وتصونه الدولة، ويحميه القانون، ويشارك أبناؤه في صناعة مستقبله.

تلك هي الحكاية التي تختصرها ذاكرة جيل شاهد مشروع الديمقراطية ودولة المؤسسات.