تاريخ النشر: 26.08.2026 | 04:58 GMT
في 26 أغسطس 1728، عبرت بعثة بقيادة الملاح الروسي من أصل دنماركي فيتوس بيرينغ، المضيق الذي يربط آسيا بأمريكا الشمالية، والذي أطلق عليه لاحقا اسمه تكريما له.
جاء تنظيم هذه الحملة، المعروفة تاريخيا باسم بعثة كامتشاتكا الأولى، استجابة لمرسوم أصدره القيصر بطرس الأكبر، الذي كان يرمي من ورائه إلى هدفين جوهريين: الأول هو حسم الجدل العلمي الراسخ حول وجود أي اتصال بري يربط بين القارتين العظيمتين، والثاني استكشاف وتوثيق المناطق الشمالية الشرقية الشاسعة من روسيا، والتي كانت لا تزال مجهولة التضاريس في خرائط ذلك العصر، وتكتنفها الكثير من الأساطير والفرضيات غير المثبتة.
استغرقت الاستعدادات لهذه المهمة سنوات طويلة، إذ تطلب الأمر جهدا جبارا لتدبير المؤن والعتاد والملاحين المدربين على الإبحار في الظروف القاسية. وقبل أن تشق السفينة عباب المحيط، خاض بيرينغ وطاقمه رحلة برية مرهقة استمرت عامين كاملين، انطلقت من مدينة سان بطرسبرغ عام 1725، وعبرت سهول سيبيريا الجليدية ووعورتها الشديدة، حتى وصلت إلى شواطئ المحيط الهادئ. هناك، وبجهود مضنية فاقت حدود الجهد البشري المعتاد، بنى الفريق السفينة الشراعية "سانت غابرييل" بأيديهم من خشب الغابات المحلية، وفي الثالث عشر من يوليو عام 1728، أقلعت هذه السفينة من شبه جزيرة كامتشاتكا، رافعة شراعها عاليا في وجه الرياح العاتية، متجهة صوب الشمال المجهول، حيث كان الجليد والضباب يشكلان الخطر الأكبر على البحارة.
بعد أسابيع من الإبحار في مياه باردة تتخللها كتل جليدية طافية، وصلت السفينة إلى البوابة المائية التي تصل المحيط المتجمد الشمالي بالمحيط الهادئ، والتي لا يتجاوز عرضها عند أضيق نقطة ستة وثمانين كيلومترا. في السادس والعشرين من أغسطس بلغت البعثة أقصى نقطة شمالية لها عند خط عرض 67°18' شمالا تقريبا، وعبرت المضيق، ودخلت مياه بحر تشوكشي الباردة. رغم هذا التقدم المكاني اللافت، حالت الأحوال الجوية السيئة والضباب الكثيف دون من معاينة الساحل الأميركي الشمالي المقابل، لكن ذلك لم ينتقص من قيمة ما أنجزته البعثة، بل على العكس، أكد أن المسافة المائية كانت كافية للفصل بين اليابستين.
في سياق هذه الرحلة الاستكشافية، قضى أفراد البعثة الأسابيع التالية في مهمة دقيقة لرسم الخرائط، فسجلوا بدقة متناهية معالم الساحل الشرقي لسيبيريا، مرورا بمعالم بارزة مثل خليج كاراغينسكي وجزيرة سانت لورانس، ما أضاف ثروة من المعلومات الجغرافية الدقيقة لم تكن متوفرة من قبل، وصحح الكثير من الأخطاء التي كانت في الخرائط الهولندية والبريطانية السابقة. لدى وصول البعثة إلى ذلك الخط المتقدم، لاحظ بيرينغ أن الساحل الآسيوي بدأ ينحني بشكل واضح نحو الغرب، وكأن اليابسة تتراجع أمام اتساع المحيط. استنتج القائد من هذا التغير الطوبوغرافي الحاسم أن كتلة اليابسة الآسيوية قد انتهت فعليا، وأن الماء هو الفاصل الطبيعي الذي لا ريب فيه بين القارتين. اطمأن بيرينغ إلى أن الهدف الرئيس من مهمته قد تحقق، وهو إثبات انفصال آسيا عن أميركا بشكل قاطع، فأصدر في الحال أمره بالعودة والإبحار جنوبا، لتصل السفينة سالمة إلى مرفأ نيجنيكامتشاتسك في الثاني من سبتمبر، حيث أمضت البعثة فصل الشتاء هناك، مستعدة لتوثيق ما رصدته من مشاهدات.
من المهم الإشارة إلى أن بيرينغ لم يكن أول بحار يخترق هذا الممر المائي، إذ سبقه إلى ذلك المكتشف الروسي سيميون ديجنيوف بفترة زمنية تقدر بثمانين عاما، وتحديدا في عام 1648. غير أن رحلة ديجنيوف تلك بقيت طي النسيان، ولم يعرف عنها شيء في الأوساط الجغرافية إلا بعد مرور قرابة القرن، وتحديدا عام 1736، حين عُثر على سجلاتها المهملة في أرشيفات سيبيريا. زار ديجنيوف خلال رحلته المفقودة جزيرتي راتمانوف وكروزينشتيرن، الواقعتين في صميم المضيق، لكن عصره لم يدرك أهمية ما أنجزه.
بفضل توثيق بيرينغ الدقيق ونشر نتائجه باللغة الروسية والألمانية، رسخ اسمه في الأذهان كمكتشف معاصر للمضيق، حتى جاء الملاح الإنجليزي الشهير جيمس كوك ليقترح تسمية هذا المعلم الجغرافي باسم "مضيق بيرينغ"، وهو الاسم الذي لقي قبولا واسعا في الأوساط العلمية واستقر في ذاكرة الجغرافيا العالمية إلى يومنا هذا، ليكون وفاء من العالم لمن وضع اللبنة الأساسية لفهم جغرافية أقصى الشمال.
كان إثبات وجود هذا المضيق المائي إنجازا كبيرا في سياق عصره، إذ دحض نهائيا وبشكل قاطع المفهوم السائد الذي كان يزعم وجود برزخ أو جسر يربط بين القارتين، وهو مفهوم ظل يسيطر على الخرائط الأوروبية لقرون. لم تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على الجانب النظري المجرد، بل تجاوزته إلى تطبيقات عملية فورية، حيث أسهم في إحداث نقلة نوعية في خرائط شمال شرق آسيا، ووسع المدارك حول طبيعة المناخ القاسي والشعوب الأصلية التي تقطن تلك الأصقاع النائية، كما أرسى معالم طرق ملاحية جديدة في مياه شمال المحيط الهادئ، مهدت الطريق للرحلات التجارية والعلمية اللاحقة.
بهذا، لم يعد اكتشاف بيرينغ مجرد رحلة عابرة في سجل المغامرات، بل أصبح مرحلة فاصلة في تاريخ الاستكشاف الروسي للحدود الشمالية الشرقية، وإحدى اللبنات الأساسية التي قام عليها تطور الجغرافيا الطبيعية والبشرية في العصر الحديث، ليبقى اسمه مقترنا بواحدة من أكثر البقاع إثارة للاهتمام على سطح الكرة الأرضية.
المصدر: RT