بالقراءة الأولية لما تحاول ايران تثبيته من حق قانوني في مضيق هرمز كونه ممر مائي استراتيجي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، والذي تحول إلى اختبار حقيقي للقانون الدولي، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية حرية الملاحة في ظل تصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وتداخل المصالح الخليجية مع الرغبات الصينية.
فقد شهدت حركة الملاحة تراجعاً حاداً خلال أغسطس، بالتزامن مع إجراءات إيرانية ضد سفن تتهمها بمخالفة «قواعد العبور»، وتهديدها بالغرامات والاحتجاز ومصادرة الشحنات. وفي الوقت نفسه، تجري ترتيبات ومفاوضات بشأن إنشاء ممرات مؤقتة وإزالة الألغام وتأمين حركة السفن.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع إيران، باعتبارها دولة ساحلية، فرض قواعد منفردة على الملاحة في مضيق يستخدم للملاحة الدولية، أم أن القانون الدولي يضع حدوداً واضحة أمام هذا الحق؟
السيادة الساحلية لا تعني ملكية المضيق
تقر قواعد قانون البحار للدول الساحلية بالسيادة على مياهها الإقليمية، لكن المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تخضع لنظام قانوني خاص.
وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على نظام «المرور العابر» في هذه المضائق، بما يضمن حق السفن والطائرات في العبور المستمر والسريع، وتحظر المادة 44 إعاقة هذا المرور أو تعليقه،
وبالتالي، فإن سيادة إيران وعُمان على مياههما الإقليمية لا تعني امتلاك المضيق أو تحويله إلى ممر يخضع لإذن سياسي مسبق،
ومن حق الدول الساحلية تنظيم الملاحة لأغراض السلامة وحماية البيئة ومنع التصادم والتحذير من الألغام، لكن التنظيم يختلف عن السيطرة السياسية على حركة السفن.
إيران والقانون الدولي: جوهر الخلاف
وقعت إيران على اتفاقية قانون البحار لكنها لم تصادق عليها، وتتبنى تفسيراً أكثر تحفظاً لنظام المرور في المضائق الدولية.
غير أن الخلاف حول الاتفاقية لا يمنح إيران تلقائياً حق فرض نظام منفرد على الملاحة، خصوصاً أن جانباً مهماً من قواعد قانون البحار يعكس مبادئ عرفية في القانون الدولي.
وهنا تكمن حساسية الإجراءات الإيرانية الأخيرة؛ فإدراج السفن في قوائم «غير ممتثلة» وتهديدها بالعقوبات أو الاحتجاز قد ينقل المسألة من تنظيم فني للملاحة إلى ممارسة سلطة سياسية على المرور الدولي.
الرسوم والممرات: أين ينتهي التنظيم ويبدأ التحكم؟
يمكن فرض تكاليف مرتبطة بخدمات بحرية حقيقية، لكن تحويل دفع الرسوم إلى شرط للعبور يثير إشكالاً قانونياً، خصوصاً مع تأكيد المنظمة البحرية الدولية ضرورة ضمان مرور آمن وغير تمييزي عبر هرمز.
ومن هنا فإن أي ترتيبات جديدة يجب أن تركز على إزالة الألغام، وتنظيم حركة السفن، وضمان السلامة، لا على إنشاء نظام سياسي يمنح طرفاً واحداً سلطة تحديد من يمر ومن يُمنع.
العقوبات الأمريكية: الجبهة الاقتصادية للصراع
بالتزامن مع أزمة الملاحة، صعّدت الولايات المتحدة ضغطها الاقتصادي على إيران من خلال حزمة واسعة من العقوبات تستهدف قطاعات النفط والشحن والتمويل وشبكات مرتبطة بالاقتصاد الإيراني.
وتحاول واشنطن من خلال هذه السياسة تقليص قدرة طهران على تمويل سياساتها الإقليمية والعسكرية، بينما تستطيع إيران في المقابل استخدام موقعها الجغرافي في هرمز كورقة ضغط على أسواق الطاقة،
وبذلك تتشكل معادلة جديدة: واشنطن تستخدم قوة النظام المالي العالمي، وإيران تستخدم قوة الجغرافيا والممرات البحرية.
الإمارات والصين: اتساع دائرة الصراع
أضاف إعلان الإمارات وقف التعاملات التجارية والمالية مع إيران بعداً إقليمياً مهماً إلى استراتيجية الضغط على طهران، وأظهر أن تداعيات الأزمة بدأت تمتد مباشرة إلى العلاقات الاقتصادية الخليجية.
لكن الموقف الصيني يمثل تحدياً رئيسياً للاستراتيجية الأمريكية؛ إذ ترفض بكين العقوبات الأحادية والتهديدات المرتبطة بها، وتتمسك بمصالحها التجارية ومصادر الطاقة الإيرانية،
وهنا قد يتحول الملف الإيراني إلى جزء من التنافس الأمريكي–الصيني، بحيث لا تعود العقوبات مجرد أداة ضد طهران، وإنما اختباراً لقدرة واشنطن على فرض إرادتها على شبكة التجارة والطاقة العالمية.
عُمان.. مفتاح الحل
تمثل سلطنة عُمان الطرف الأكثر قدرة على لعب دور الوسيط، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة،
ويتمثل الدور العُماني الأكثر واقعية في دعم ممرات آمنة ومؤقتة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، مع ضمان حرية الملاحة وعدم تحويل ترتيبات السلامة إلى أدوات سياسية.
فالحل لا يكمن في استبعاد إيران من ترتيبات أمن هرمز، ولا في منحها سلطة حصرية على المضيق، وإنما في إدماجها ضمن نظام متعدد الأطراف يحمي حقوق جميع الأطراف.
هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: تسوية متعددة الأطراف تقوم على إزالة الألغام وتنظيم الملاحة وضمان المرور الآمن وغير التمييزي، وهو السيناريو الأكثر استقراراً.
الثاني: تسوية مشروطة يبقى فيها المضيق مفتوحاً، لكن مع احتفاظ إيران بنفوذ واسع في تحديد شروط العبور، بما يبقي النزاع القانوني والسياسي قائماً.
الثالث: التصعيد من خلال استمرار الضغط الإيراني على الملاحة، مقابل توسيع العقوبات الأمريكية وتشدد دول الخليج واستمرار الصين في حماية مصالحها مع طهران، وهو السيناريو الأكثر تكلفة على الاقتصاد العالمي.
الخلاصة
إن معركة هرمز ليست على المياه وحدها، بل على قواعد النظام الدولي للملاحة والطاقة والتجارة، و
إيران تريد تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة تفاوضية، والولايات المتحدة تستخدم العقوبات والقوة الاقتصادية للضغط عليها، والإمارات تتحرك لتقليص علاقاتها الاقتصادية بطهران، بينما تحاول الصين حماية مصالحها التجارية والطاقة،
لكن العامل الحاسم يجب أن يبقى القانون الدولي: السيادة على المياه الإقليمية لا تعني ملكية المضيق، وتنظيم الملاحة لا يعني احتكارها، والمخاوف الأمنية لا تمنح أي دولة حق تحويل مضيق دولي إلى أداة ابتزاز سياسي،
ولهذا فإن الحل الأكثر واقعية هو بناء نظام أمني وملاحي متعدد الأطراف، تلعب فيه عُمان والمنظمة البحرية الدولية دوراً محورياً، ويضمن أمن الدول الساحلية وحرية الملاحة في الوقت نفسه.
فإذا نجحت الدبلوماسية، يمكن أن يتحول هرمز من نقطة اختناق إلى نموذج للأمن البحري الجماعي، أما إذا فرض منطق القوة نفسه، فقد يصبح المضيق سابقة خطيرة لتحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات ضغط في صراعات القوى الإقليمية والدولية.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني