بأسلوب يتسم بالرقي والشفافية التامة، وجهت داليا مبارك ثلاث رسائل متتالية لجمهورها عبر خاصية "القصص" (Stories). في رسالتها الأولى، أعلنت قرارها الحاسم قائلة إنها تعلن اعتزالها الفن، مشيرة إلى أن آخر أعمالها الفنية سيكون عملاً يجمعها بمن وصفتهم بـ "أولادها" وأحبابها، وهما الموهبتان كارما جرجس ولمى قيس من برنامج "ذا فويس كيدز". وأضافت أنها بعد هذا العمل ستعتزل رسمياً، موجهة شكرها النابع من القلب لكل من دعمها منذ بداية مسيرتها وحتى اللحظة الحالية.
وأما في رسالتها الثانية، فقد كشفت داليا عن الجرح الغائر الذي تركته أضواء الشهرة في أعماقها، موضحة أن الفن قد سلب منها الكثير من روحها وصحتها وإنسانيتها. وقدمت اعتذاراً رقيقاً لكل من آمن بها يوماً، مؤكدة بصدق أنها لم تعد قادرة على العطاء أكثر من ذلك.
وفي ختام بوحها الحزين، توجهت في رسالتها الثالثة إلى جمهورها وعائلتها الفنية، معبرة عن حزنها العميق لإعلان هذا الخبر، ومشددة على عجزها عن الاستمرار، معتذرة بحرقة إن كانت قد خذلت محبيها.
لم تكن رحلة داليا مبارك وليدة الصدفة، بل هي مسار من الكفاح بدأ منذ وقوفها على المسرح المدرسي في سن الرابعة عشرة لتقديم أوبريت "سند الخير". وُلدت داليا في الثاني من مارس لعام 1991 (أو 1992)، وعملت بجد لصقل موهبتها الفطرية أكاديمياً بدراسة الموسيقى في دبي. شكلت أغنية "قلبت الطاولة" عام 2014، من ألحان فايز السعيد، الانفجارة الفنية التي حققت لها أكثر من 9 ملايين مشاهدة، ومهدت لإصدار ألبومها الأول "من الآخر".
تدرجت داليا في نجاحاتها عبر التحالف مع عملاق الإنتاج "روتانا"، وصولاً إلى تحقيق سابقة تاريخية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 كأول فنانة سعودية تنضم إلى شركة "وارنر ميوزك" العالمية. وكان من المنتظر بحلول منتصف عام 2026 أن تقدم مشروعاً ضخماً يجمعها بالنجمة الفرنسية "إيلين سيغارا"، في خطوة كانت تعد بدمج الهوية السعودية مع العراقة الفرنسية.
دائماً ما اتسمت داليا بالجرأة في اتخاذ قراراتها الشخصية، تماماً كما المهنية. في شباط (فبراير) 2018، ارتبطت برجل الأعمال ومدرب الملاكمة الأميركي ألهيم ستاركس، ورُزقت منه بطفلتين: "ليلي سمر" عام 2018، و"جاز" في عام 2021. ورغم الانفصال الذي وقع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، أدارت داليا الأزمة برقي بالغ لفت أنظار الصحافة، حيث خرج طليقها ليؤكد احترامه المستمر لها قائلاً: "أحب داليا وأتمنى لها كل التوفيق".
لعل أجمل ما في هذا الوداع المؤلم هو تجسيده لمعاني الأمومة الروحية والدعم الإنساني. فقد اختارت داليا أن تختتم مسيرتها إلى جانب الموهبة اليمنية لمى قيس، بطلة الموسم الرابع من "ذا فويس كيدز" المتوجة في 25 حزيران (يونيو) 2026، والتي بكت داليا إلى جانبها حين فوزها. كما يشارك في العمل الوداعي الموهبة المصرية كارما جرجس (12 عاماً)، التي ساندتها داليا إنسانياً حين أجهشت بالبكاء رهبة من المسرح في أواخر نيسان (أبريل) 2026.
تغادر داليا مبارك الساحة تاركة وراءها إرثاً فنياً يمثل تطلعات جيل جديد، لتثبت في النهاية أن الفنان الحقيقي هو من يمتلك شجاعة التوقف حين يشعر أن روحه وإنسانيته تستحقان السلام المطلق.