تاريخ النشر: 26.08.2026 | 16:29 GMT
أثبتت التطورات في سوريا صواب قرار الرئيس أحمد الشرع في الانفتاح السريع على روسيا البلد الذي يتقاطع تاريخه الحديث مع دمشق على نحو لا يمكن تجاهله.
فالاتكاء على قوة عظمى كروسيا يمنح سوريا مروحة من الخيارات الواسعة في مواجهة الدول التي تعتقد أنها قادرة على إملاء سياستها على سوريا واتصال الرئيس فلاديمير بوتين اليوم بنظيره السوري بعد تسوية الكثير من الملفات العالقة بينهما وآخرها إعادة تنظيم قاعدتي حميميم وطرطوس وإعلانه الصريح عن دعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها يحمل في طياته رسائل دعم صريحة لدمشق في مواجهة التوغل الإسرائيلي في أراضيها ومساعي الاستفراد الأمريكي بقرارها السياسي فحيث تحضر موسكو إزاء واشنطن يسود التوازن الدولي الذي يعطي للدول المعنية هامشا معقولا من التمسك بالسيادة وهو الأمر الذي وعاه الرئيس الشرع جيدا حين اختار زيارة موسكو بأسرع مما توقع الجميع.
دمشق تتسلح بالدعم الروسي
ويرى المحلل السياسي حمدان عبد الحق أن مبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للاتصال بالرئيس أحمد الشرع بعد توصل البلدين إلى مذكرة التفاهم بشأن إعادة تنظيم قاعدة حميميم الجوية ومركز الإمداد المادي والفني في طرطوس بما يحفظ مكانة البلدين يعكس انتقال روسيا من موقع إعادة تعريف وجودها في سوريا إلى موقع الشراكة المستند إلى تاريخ طويل من الحضور الروسي في سوريا وهو الحضور الذي تؤمن دمشق باستحالة تجاوزه نظرا للتغلغل الروسي الناعم في المفاصل الإدارية للدولة السورية والذي تنحاز إليه شريحة واسعة من السوريين بحكم المعرفة بالتاريخ بعيده وحاضره .
وأكد عبد الحق في حديثه لـ RT أن بيان الكرملين عن تباحث الجانبين في الوضع الراهن للعلاقات الروسية السورية وآفاق تطويرها وتأكيد التزامهما بتعميق الحوار السياسي والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية وغيرها يعكس عودة الدفء إلى هذه العلاقات واستعداد روسيا لاستعادة مكانتها الطبيعية في النهوض بالمؤسسات السورية التي قامت تاريخياً بجهود روسية ومن قبلها الاتحاد السوفييتي والأهم من ذلك هو الالتزام بالدور التاريخي الذي أسند السياسة الخارجية لسوريا في مفاصل زمنية خطيرة في مرحلة الحرب مع إسرائيل وما تلاها من مرحلة اللاحرب واللا سلم وكان له الدور الفاعل في إبقاء أوراق القوة بيد سوريا في مواجهة الأطماع الإسرائيلية وهو الأمر الذي تلقفه الرئيس بوتين بذكاء لافت حين اتصل بالرئيس الشرع وما تضمنه ذلك الاتصال من دعم صريح وغير بعيد عن أجواء ما تقوم به إسرائيل من توغلات في الجنوب السوري واستباحة للأجواء والمطارات داخل هذا البلد كما حصل في مطار "أبو الظهور" والأهم أنه جاء بعد وقوف وزير الدفاع الإسرائيلي في الجنوب السوري وما أطلقه هناك من رسائل تهديد لسوريا ورئيسها ما دفع الكرملين للتواصل مع دمشق وتقديم رسائل دعم لها قد لا يكون من مصلحة إسرائيل تجاهلها نتيجة معرفتها العميقة بقيمة الحضور الروسي في أي بلد .
وشدد المحلل السياسي على التزام روسيا الصريح بقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالجولان وهو التزام يتناقض بشكل صريح مع السياسة الإسرائيلية بحيث يمكن لدمشق أن تفيد منه سيما وأن موسكو أكدت في كل مناسبة احترامها لسيادة سوريا ووحدة أراضيها لافتاً إلى أن الاتصال جاء بعد لقاء نائب وزير الخارجية الروسي مع السفير الإسرائيلي في موسكو وهو الأمر الذي يشي بأن الرئيس الروسي كان على إحاطة سياسية وميدانية واضحة بالموقف الإسرائيلي حين بادر إلى الاتصال بنظيره السوري وعلى الرغم من المزاعم التي تقول بأن اللقاء لم يتطرق للشأن السوري لكن تزامن اللقاء مع اتصال بوتين بالشرع قد يشير إلى غير ذلك .
لنسج علاقة استراتيجية
ومن جانبه يرى المحلل السياسي السوري سميح الفاضل في حديثه لـ RT أن روسيا تحاول رسم علاقات استراتيجية جديدة مع سوريا و أن اتصال الرئيس بوتين بالرئيس الشرع أعقب تطورات هامة في سوريا تمثلت على المستوى الخارجي برفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب وما يعنيه ذلك من رفع العوائق القانونية أمام تدفق الأموال والاستثمارات والشركات الأجنبية إلى سوريا
ويؤكد الفاضل بأن اتصال بوتين بالشرع لم يكن بعيداً عن هذا التطور الهام والذي تريد من خلاله موسكو ضمان حصتها في مشروع إعادة إعمار سوريا ربطا بعلاقتها التاريخية مع هذا البلد وحضورها كقوة ناعمة في مفاصل الاقتصاد السوري فضلاً عن التفاهمات الدولية المسبقة التي لم يكن بإمكانها تجاهل روسيا كقوة عظمى وجب احترام حضورها في أشد لحظات الخصومة السياسية فكيف اليوم وقد عرف الجانبان كيف ينزعان أشواك الماضي القريب في علاقتهما إلى حد الاتفاق على تنظيم الوجود العسكري الروسي في سوريا وصولاً إلى فتح الباب أمام الوجود الاقتصادي الذي تحتاجه سوريا لأنها لا تستطيع الانقلاب على عقود من الحضور الروسي في هذا البلد.
وأضاف الفاضل بأن التطور المهم الآخر الذي جرى في ضوء الاتصال كان إعلان قسد رسمياً اندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية حيث يحسب لروسيا أنها ورغم الإرث العلماني واليساري الذي حملته قسد من ارتباطها التاريخي بالمنظومة الاشتراكية التي كان يتزعمها الاتحاد السوفييتي فإن روسيا اختارت التعامل مع الدولة السورية وشجعت قسد على هذا القرار ولو بشكل ضمني حين لم تبادر إلى دعمها كجسم عسكري مواز يمكن أن تبتز به الدولة السورية وهو الأمر الذي قدرته دمشق ويمكن لها أن تبني عليه في رسم علاقة استراتيجية مع موسكو توازن بها علاقاتها مع واشنطن التي قد لا تنظر بارتياح للتقارب السوري الروسي لكن التدرج المدروس فيه يبقيها حتى اللحظة في خانة المراقب الحذر الذي لا يملك الحجة لإفساد هذا التقارب وإن توجس منه.
وختم المحلل السياسي حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن دمشق تدرك خطورة التماهي التام مع واشنطن وإن كانت تتبنى مسارا قريباً من سياستها ولذلك فإنها ترغب في موازنة ذلك بحضور روسي قد لا يكون طاغيا ولكنه مؤثر ويميل إلى خلق حالة من التوازن خاصة وأن روسيا يمكن أن تلعب دوراً مهماً في نقل الرسائل بين دمشق وتل أبيب عبر استعادة دورها السابق في حميميم وربما حضورها العسكري على الحدود إذا رأت دمشق أن ذلك من مصلحتها ووافقت إسرائيل على ذلك فالحضور الروسي يمكن أن يكون ضامنا لكلا الطرفين في مسائل تتعلق بالأمن وهو ليس ترفا يمكن لدمشق رفضه أو التمسك به بل هو حاجة تمليها الواقعية السياسية التي تسمي الأمور بمسمياتها.
المصدر: RT