أخبار محلية

دعوات أحمد علي عبدالله صالح المتكررة للعودة إلى الداخل تضع القوى المناهضة للحوثيين أمام اختبار توحيد الصف

دعوات أحمد علي عبدالله صالح المتكررة للعودة إلى الداخل تضع القوى المناهضة للحوثيين أمام اختبار توحيد الصف

أثارت الدعوة التي وجهها نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام أحمد علي عبدالله صالح، في كلمته في 24 أغسطس الجاري، بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس الحزب، إلى مجلس القيادة الرئاسي وقيادات الدولة بالعودة إلى الداخل وممارسة مهامهم من بين المواطنين، سجالاً سياسياً واسعاً، في وقت تواجه فيه القوى المناهضة لمليشيا الحوثي تحديات متزايدة على المستويين السياسي والاقتصادي.

ورغم محاولة بعض الأطراف تقديم الدعوة باعتبارها موقفاً جديداً أو تحولاً طارئاً، فإن مراجعة مواقف أحمد علي خلال السنوات الماضية تظهر أنها تأتي ضمن سلسلة متصلة من الدعوات التي ركزت على استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقسام، وتوحيد القوى الجمهورية، ونقل مركز إدارة الشأن العام إلى الداخل.

وفي كلمته الأخيرة، أكد أحمد علي، أن "معركة اليمن الحقيقية هي معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقسام وحماية الجمهورية والسيادة"، داعياً إلى بناء مؤسسات عسكرية وأمنية تقوم على الولاء للدولة والدستور بعيداً عن الأشخاص والجماعات.

كما دعا مجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى الانتقال من "إدارة الأزمة إلى صناعة الحل"، والعودة إلى الداخل لمواجهة التدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات وانهيار العملة وتأخر المرتبات، وهي ملفات باتت تمثل جوهر معاناة ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحكومة.

ولا تبدو هذه الدعوة منفصلة عن مواقف سابقة لنائب رئيس المؤتمر. ففي 22 مايو الماضي، دعا في كلمة بمناسبة عيد الوحدة إلى فتح صفحة جديدة بين القوى السياسية تقوم على الحوار والشراكة، وإنهاء حالة التشظي، كما طالب مجلس القيادة والحكومة بالعمل بروح الدولة بعيداً عن المحاصصة والخلافات، والعودة إلى الداخل والاقتراب من المواطنين.

وفي ديسمبر 2025، خلال كلمته في الذكرى السنوية لانتفاضة الثاني من ديسمبر، جدد دعوته إلى توحيد الصفوف وإنقاذ البلاد واستعادة الدولة، داعياً إلى تشكيل جيش وطني واحد تحت راية وطنية، ومؤكداً أن استمرار الانقسام لم يعد يحتمله اليمنيون.

وسبق ذلك موقف مماثل في أغسطس 2024، عندما دعا مؤسسات الدولة والجهات الدستورية إلى العمل من الداخل وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة الأوضاع المعيشية والأمنية والاقتصادية والخدمية.

كما تعود هذه الدعوات إلى ما قبل ذلك، إذ طالب في كلمته بمناسبة الذكرى الستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 2022، قيادة الدولة والحكومة بالعودة إلى الوطن والعمل من الداخل وتلمس احتياجات المواطنين وتوفير الخدمات الأساسية وتعزيز الأمن والاستقرار.

حملة سياسية تكشف مأزقاً أكبر

في المقابل، تبدو الحملة التي تصاعدت ضد دعوات أحمد علي أقرب إلى محاولة لتحويل نقاش سياسي يتعلق بمكان وجود مؤسسات الدولة ومسؤولية القوى الجمهورية إلى صراع شخصي وسياسي، بدلاً من التعامل مع جوهر الرسالة التي تتكرر في خطاباته منذ سنوات: استعادة الدولة وتوحيد الصف الجمهوري وإنهاء الانقسام.

وتكتسب هذه الحملة خطورتها من أنها تأتي في مرحلة تحتاج فيها القوى المناهضة لمليشيا الحوثي إلى تضييق مساحة الخلافات، لا توسيعها. فاستمرار التشكيك في أي دعوة إلى توحيد الصف أو العودة إلى الداخل قد يعمق الانقسامات داخل المعسكر الجمهوري، ويمنح الحوثيين مساحة أكبر للاستفادة من التباينات السياسية والعسكرية بين خصومهم.

والأخطر أن الإصرار على تحويل كل دعوة إلى الاصطفاف الوطني إلى معركة اتهامات وتشكيك قد يبعث برسالة مفادها أن بعض الأطراف أكثر اهتماماً بإدارة حالة الانقسام من إنهائها. فالحرب الطويلة أوجدت مراكز نفوذ ومصالح سياسية واقتصادية، وأي مسار جاد نحو إنهاء الصراع وتوحيد مؤسسات الدولة سيعيد ترتيب هذه المصالح ويضع أصحابها أمام استحقاقات جديدة.

ومن هذا المنظور، فإن استمرار الحملات التي تستهدف دعوات توحيد الصف الجمهوري لا يضر بشخص أو تيار بعينه بقدر ما يضر بفكرة الاصطفاف الوطني نفسها، ويعمق حالة فقدان الثقة لدى الشارع اليمني، الذي يدفع منذ سنوات كلفة الانقسام والحرب وتدهور الاقتصاد والخدمات.

ولا يعني ذلك أن الدعوة إلى العودة إلى الداخل تمثل حلاً تلقائياً لأزمة معقدة تتداخل فيها عوامل عسكرية وسياسية واقتصادية وإقليمية، لكنها تضع قضية مركزية أمام القوى الجمهورية: هل الأولوية هي توحيد أدوات الدولة وإنهاء الانقلاب، أم استمرار إدارة الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟

وتشير سلسلة المواقف السابقة إلى أن الدعوة إلى العودة والعمل من الداخل ليست فكرة مستحدثة، بل جزء من خطاب سياسي متكرر يضع حضور مؤسسات الدولة بين المواطنين في صدارة الأولويات.

وفي بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام، تبدو الحاجة أكبر إلى خطاب سياسي يركز على القواسم المشتركة بين القوى المناهضة للانقلاب، وفي مقدمتها الحفاظ على النظام الجمهوري، واستعادة مؤسسات الدولة، وتوحيد القرارين السياسي والعسكري، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

وبعيداً عن المواقف من الأشخاص أو الأحزاب، فإن جوهر القضية يبقى في قدرة القوى الجمهورية على تجاوز حساباتها الضيقة وبناء مشروع وطني جامع. فالمعركة مع مليشيا الحوثي، كما يذهب الخطاب الذي طرحه أحمد علي، لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية فحسب، وإنما تشمل أيضاً استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام وإعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع.

وفي جميع الأحوال، فإن الجدل حول دعوات أحمد علي يعكس صراعاً أوسع داخل المعسكر المناهض لمليشيا الحوثي حول شكل المرحلة المقبلة: هل تتجه القوى السياسية نحو توحيد صفوفها وبناء مؤسسات دولة قادرة على إنهاء الانقلاب، أم تستمر في استنزاف طاقتها في خلافات داخلية وحملات متبادلة، بينما يواصل اليمنيون دفع ثمن الحرب والانقسام؟

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام جميع القوى السياسية هو قدرتها على تقديم مصلحة الدولة والمجتمع على المصالح الحزبية والشخصية، وتحويل الدعوات المتكررة إلى وحدة الصف من خطاب سياسي إلى خطوات عملية تعيد بناء مؤسسات الدولة وتفتح الطريق أمام سلام مستدام واستعادة الجمهورية.