ثمانية أشهر، وظفت فيها السعودية وأدواتها اليمنية كل شيء في سبيل تبرير الحرب العدوانية. قالوا في الجنوب كل شيء: «أرض وهوية وإنسان». قالوا إنه لا يوجد شيء اسمه الجنوب العربي، وإن الهويات التاريخية لا وجود لها، في حين أننا لم نسأل عن هوية «هذه الدولة التي تمارس الوصاية على بلدنا»، ولا كيف جرى أختيارها كـ "تسمية وطنية".
رموا الجنوب في هويته، وقالوا إنه لا يوجد شيء تاريخي اسمه «الجنوب العربي»، في حين أن «هويتهم» أهون من خيط العنكبوت.. لا يوجد لها اي سند قانوني.
زعموا أن المجلس الانتقالي يعرقل تحرير صنعاء، وأنه ينهب الموارد ويصادر الممتلكات ويقيد الحريات. قالوا إن رئيس المجلس هرب، ووصفوه بـ«الهارب».. واليوم صنعاء محررة وبعيدة كل البعد عن الاسقاط، بعد رأى اليمنيون "نموذج الوصاية في الجنوب".
حلّوا المجلس الانتقالي الجنوبي بقرار سعودي، وكتبوا بيان الحل بأيادٍ مرتعشة، ولم يجدوا من يتلو البيان سوى «ذلك الشخص»، والمقابل مبلغ مالي زهيد..
كانت القنوات الإخبارية وغير الإخبارية التي تمولها الرياض تكرس خطاباً لشيطنة الجنوب والتشكيك في المشروع الوطني الجنوبي.. ومع ذلك كان الجنوب وشعبه عصيا على كل ذلك وتجاوزه.
احتفوا ورقصوا على جراح الشعب الجنوبي كثيراً، وكثيراً جداً. قالوا إن الجنوب «ذهب وإنه لن يعود». لاحقوا قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، وأصدروا أوامر قهرية بحق قيادة المجلس، «الأمين العام وضاح الحالمي ورئيس الدائرة السياسية شكري باعلي وغيرهم».
ماذا بعد؟
أرسلوا فلاح الشهراني إلى عدن وبجعبته أموال طائلة، بهدف شراء الذمم ومصادرة الآراء.، خرج «صهر آل جابر» يحتفي بأن مشكلة التيار الكهربائي قد حُلّت، وأن الأزمات لم تعد موجودة.. ثم دفعوا بعض "الهبلان"، الى الحديث عن درجة الحرارة في عدن تحولت إلى 15 درجة مئوية.
غيّروا تسمية القوات الأمنية والعسكرية وصادروا المواقع الالكترونية الخاصة بتلك القوات، ووفّروا الأموال لإنشاء كيانات جهوية في عدن وحضرموت وغيرها.
أرادوا القضاء على مشروعية القضية الوطنية الجنوبية، فرأينا السعوديين يوجهون ذبابهم الإلكتروني للحديث عن كيانات جهوية في حضرموت وشبوة وعدن.
رأينا وكلاء وزارة الإعلام، الذين ما كان لهم أن يحصلوا على هذه الحقائب الوزارية «لولا القضية الجنوبية وعدالتها»، وهم يتركون عملهم في إعادة وسائل الإعلام ومعالجة قضايا عشرات الزملاء الصحفيين الذين أصبحوا بلا مصدر دخل، ورأيناهم وقد ذهبوا لإنشاء كيانات جهوية عنصرية، تقوم على الفرز العرقي في داخل الجنوب، ولا يخجلون من وصف أبناء الجنوب على أنهم "دخلاء"، مع ان هذا الوصف قد يصبح خطيرا تعمم تكريسه وقد يتضرر أصحابه قبل غيرهم، ولكن كنا ولا نزال وسنظل نقول "ان الوطن هو الهوية الجامعة للجميع دون تمييز"..
قال لي مسؤول حكومي بارز إن الحكومة، حين تتقدم بطلب إلى السفير السعودي، مثلاً، تقدمت في إحدى المرات بطلب مصاريف حكومية بـ«مبلغ وقدره عشرة ملايين ريال سعودي»، فطلب منهم سعادته أن «يجعلوا المبلغ عشرين مليون ريال سعودي»؛ طبعاً، عشرة تذهب إلى جيبه.
الفساد الذي استشرى ليس في إدارة الملف اليمني فحسب، بل في إدارات واسعة وكبيرة داخل السعودية، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا. بل إن بعض المسؤولين اليمنيين يوقع على «ورق صرف فقط». وهذا الأمر لا يعنينا في شيء؛ كل الذي يعنينا أن «الحملة الإعلامية التي تعرض لها الجنوب عقب الحرب العدوانية» وصلت إلى ذروتها، واليوم كل من سار في فلك مشروع الاحتلال السعودي عليه أن يجيب عن سؤال واحد: أين تذهب الموارد المليارية؟
ستظلون في نظر هذا الشعب لصوصاً وحرامية، إلى أن تثبتوا العكس، وهذا لن يحصل إطلاقاً.
أين موارد العاصمة عدن يا عبدالرحمن شيخ؟
أين موارد أبين يا مختار الرباش؟
أين موارد لحج يا مراد الحالمي؟
أين موارد شبوة يا عوض الوزير؟
أين موارد حضرموت يا سالم الخنبشي؟
أين موارد المهرة يا محمد علي ياسر؟
أين موارد سقطرى يا رأفت الثقلي؟
أين موارد الضالع يا أحمد القبة؟
أين تذهب وأين تروح؟ هل تعتقدون أن نظام الوصاية سيمنحكم الحصانة من المساءلة القانونية والأخلاقية؟ لا، لن يحدث هذا.
أنتم جئتم في حقبة كان يمكن أن تكونوا أصحاب قرار فيها،وكان على نظام الوصاية لو كان جدا ان يساعدكم في توفير الخدمات للناس، بدلا من ترككم هكذاء ولم يتبق امامكم سوى التواري، بعد اصبحتم غير قادرين حتى على التصرف بـ"الموارد"، التي تعلمون انها تذهب إلى خزائن خارج البلد.
ولكن اليوم نقولها لكم وبالفم المليان: أنتم جئتم لمهمة وحيدة، «تبييض جرائم النظام السعودي» هذا هو دوركم.
ماذا قدمت لكم السعودية منذ الثاني من يناير حتى اليوم؟ هل يعقل أن أزمة الغاز المنزلي سببها السيارات العاملة بالغاز؟ حتى في تبريراتكم، أنتم سخيفون للغاية.
كيف تم التلاعب بالأراضي في عدن وأبين؟ وما هي القوانين التي تجعلكم تتصرفون في أراضي المواطنين؟
كل من يعمل مع الوصاية السعودية سيظل في نظر هذا الشعب «خائناً»، لأنه ارتضى أن يكون تابعاً منقاداً، لا يجرؤ على فعل أي شيء، ولا حتى التصرف في الموارد المليارية، باعتراف السلطات المحلية ذاتها.
كان بالإمكان أن تفتحوا الباب أمام الاستيراد الخارجي للغاز، طالما أن السعودية العظمى غير قادرة على إقناع سلطان العرادة برفع القطاعات القبلية التي تمنع وصول الغاز إلى المدن المحررة.
ثمانية أشهر... كانت كافية لتجعلكم ترحلون بلا عودة، لأن من أتى بكم كان ينوي إحراقكم، وقد فعل. ماذا أنتم فاعلون؟ لا شيء. الكل يلعنكم ويلعن النفاق والتصريحات التي كنا نسمعها منكم بأن علاقتكم بالسعودية ستكون «أبدية»، ولكننا لم نرَ سوى «تبعية عمياء لا أفق لها».
اشربوا من مياه البحر المالحة، فالسفينة التي اعتقدتم أنها ستنجيكم، بعد أن خُيّل لكم أن سفينة الوطن قد غرقت، ها هي سفينة السعودية تغرق في كل مكان، بعد أن خرقها السعوديون أنفسهم. ولم يتبقَّ عليكم اليوم سوى القفز إلى مياه البحر، ومصيركم أن مياهه ستلفظكم كما يلفظكم شعب الجنوب، وأصبحتم في نظره خونة، بعد أن كنتم ذات يوم قادة وأبطالاً.
ولكن لعل الدرس البليغ اليوم هو أن من يقف مع هذا الشعب سيكون كبيراً في الأعين، ومن يخون سيكون مصيره مصير خونة ظنوا أن مساعدة الاحتلال ستجلب لهم السلطة والنفوذ.
لم نعتدِ على السعودية ولا على غير السعودية، وهي التي اعتدت على بلدنا بحجة الأمن القومي. واليوم ها هي تُذل في عمقها دون حتى أن ترد على القصف وعسكرة موانئها، ولم يتبقَّ إلا الخروج النهائي، وقد أصبح وشيكاً.
#صالح_أبوعوذل