أفادت مصادر ومحللون مطلعون على الشأن اليمني بأن التصعيد العسكري الأخير لجماعة الحوثي، والذي استهدف عدة محافظات يمنية، كان يهدف إلى استدراج الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية إلى مواجهة عسكرية واسعة، بناءً على توجيهات إيرانية مباشرة. ويهدف هذا التحرك الإيراني إلى تصوير أي رد فعل حكومي على أنه "عدوان سعودي أو أمريكي" على اليمن، مما يمنح طهران ورقة ضغط إضافية في المفاوضات المستقبلية مع واشنطن.
وفقاً لهذه القراءة، كانت طهران تعوّل على دفع التصعيد الحوثي القوات الحكومية لشن رد عسكري شامل. إلا أن القيادة اليمنية، من خلال ضبط نفس محسوب، اكتفت بردود متدرجة استهدفت مواقع ومنصات صواريخ حوثية، دون الانجرار إلى حرب واسعة تخدم الأهداف الإيرانية. وقد اعتبر المحللون أن هذا الإخفاق الميداني قد أحبط الهدف الأساسي من وراء التصعيد.
في ظل هذا الإخفاق، لجأت طهران، بحسب مراقبين، إلى وسائل إعلامها الرسمية لتعقيد المشهد، حيث أعلنت، ولأول مرة منذ عقد، ضم الملف اليمني رسمياً إلى شروط أي تسوية إقليمية. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، تأكيده أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تتم إلا مقابل إنهاء الحرب في اليمن ورفع الحصار عنه. وأكد غريب آبادي أن طهران لن تتخذ أي خطوة بهذا الشأن قبل أن تنفذ الولايات المتحدة كامل التزاماتها.
وأضاف المسؤول الإيراني، نقلاً عن وكالة "فارس" الإيرانية، أن طهران لا تثق بواشنطن، وأنها أبلغت قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، خلال زيارته الأخيرة لطهران، بأن إيران لم تكن الطرف الذي انتهك التفاهمات السابقة. وشدد على أن الولايات المتحدة، إذا كانت راغبة فعلاً في إعادة فتح المضيق، فعليها تنفيذ الشروط الإيرانية دون شروط مقابلة.
ويرى محللون أن هذا التحول من التصعيد الميداني الصامت إلى سلسلة من التصريحات الإعلامية، والاتهامات المتبادلة، يعكس تراجعاً في قدرة إيران على استغلال الملف اليمني عسكرياً، خاصة بعد فشل الحوثي في استدراج السعودية إلى الفخ المرسوم له. وقد اضطرت طهران إلى نقل المعركة إلى طاولة التصريحات، ومحاولة تثبيت اليمن كورقة تفاوضية بديلة بعد تعثر الورقة العسكرية.
في المقابل، يحذر مراقبون آخرون من التسرع في اعتبار هذا التصريح الإيراني اعترافاً بالفشل، مشيرين إلى أنه قد يكون خطوة تفاوضية محسوبة ضمن مسار أوسع يشمل المفاوضات الإيرانية العُمانية بشأن هرمز. ويعتبرون أن ربط طهران لملفات إقليمية متعددة ببعضها هو سلوك متكرر في عقيدتها التفاوضية.
وتظل الأسابيع المقبلة، في ظل استمرار المفاوضات الإيرانية الأمريكية والإيرانية العُمانية حول هرمز، وتصاعد الدعوات الشعبية اليمنية لحسم الملف الحوثي عسكرياً، اختباراً حقيقياً لتحديد ما إذا كانت طهران والحوثي ماضيين نحو تكرار "النموذج اللبناني" في اليمن، أم أن التصعيد الأخير كان بداية مسار تفاوضي جديد فرضته موازين ميدانية متغيرة.