رجح الملحق العسكري الأميركي الأسبق في الرياض، العقيد المتقاعد عباس تاهوك أن تكون السعودية بصدد الاقتراب من «نقطة قرار» جديدة تجاه جماعة الحوثيين، في ظل تصاعد التهديدات الجيوسياسية التي تواجهها المملكة، ورغبتها في ضمان استقرار اليمن باعتباره دولة تجاورها من الجنوب.
وأوضح داهوك، في برنامج "الموقف الأمريكي" الذي يبث على قناة "يمن شباب"، أن السعودية تمتلك القدرة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي الذي يتيح لها إعادة إطلاق عمليات عسكرية في اليمن، إلا أن اتخاذ مثل هذا القرار يظل «قراراً سياسياً»، مشيراً إلى أن التطورات الحالية قد تدفع الرياض إلى إعادة تقييم خياراتها.
ورأى أن الحوثيين يدركون أن السعودية باتت تمارس ضغوطاً أكبر، وأن الحكومة اليمنية أصبحت أقوى مما كانت عليه في مراحل سابقة، معتبراً أن ذلك قد يفسر محاولات الجماعة إعادة فرض نفسها داخل اليمن.
وأضاف أن المملكة لا تستطيع، في ظل التحديات الجديدة، أن تتعامل في الوقت نفسه مع ملفات اليمن وإيران ومشروعاتها الاقتصادية الطموحة، بينما يبقى اليمن على حدودها الجنوبية في حالة من عدم الاستقرار، لافتاً إلى أن استمرار قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ باتجاه السعودية أو البحر الأحمر يمثل تهديداً لا يمكن تجاهله.
التحالفات الإقليمية وتقاسم العبء الأمني
وفي حديثه عن التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، اعتبر داهوك أن المبادرة تعكس اتجاهاً متنامياً لدى دول المنطقة نحو تقاسم العبء الأمني، في ظل اعتقاد متزايد بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة أو راغبة في تحمل المسؤولية الأمنية في الشرق الأوسط بمفردها.
وقال إن واشنطن دفعت منذ سنوات باتجاه تعاون أمني أكبر بين دول المنطقة، بدلاً من الاعتماد حصراً على علاقات ثنائية منفصلة مع كل دولة، مشيراً إلى أن إدخال تركيا، بوصفها دولة موثوقة وعضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى منظومة أمن الشرق الأوسط يمثل مصلحة مشتركة بين أنقرة وواشنطن، وإن لم تكن مصالح الطرفين متطابقة.
وأضاف أن الولايات المتحدة ليست معارضة لهذا النوع من التحالفات، بل ترى مصلحة في الحفاظ على استقرار المنطقة وضمان استمرار تدفق النفط وانفتاح طرق التجارة، لكنه أشار إلى أن طبيعة التعاون العسكري بين الدول المعنية وما إذا كان سيتحول إلى تدريبات مشتركة أو ارتباطات عسكرية وصناعة دفاعية مشتركة، لا تزال أموراً لم تتضح بصورة كاملة.
وأشار إلى أن فكرة بناء تحالف إقليمي ليست جديدة، مستشهداً باجتماعات جرت في الرياض عام 2017 لبحث إنشاء ما عُرف آنذاك بـ«التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط».
السعودية والولايات المتحدة.. تحالف مستمر
وقال داهوك إن الجيش السعودي شهد خلال العقد الأخير تحولاً كبيراً، خصوصاً في مجالي العمليات الجوية والبحرية، نتيجة الخبرات التي اكتسبها من العمليات العسكرية في اليمن، إلى جانب مشاركته في عمليات مكافحة تنظيم داعش.
ورغم توجه الرياض إلى بناء تحالفات أمنية وعسكرية مع دول المنطقة، وربما تنويع مصادر تسليحها عبر شراء معدات من الصين وروسيا، يرى داهوك أن ذلك لا يعني رغبتها في استبدال الولايات المتحدة.
وأكد أن واشنطن ستظل، من وجهة نظره، الحليف الأول والشريك الأمني للسعودية خلال العقد المقبل على الأقل، مشيراً إلى أن الرياض تدرك أن الولايات المتحدة لا تزال الدولة الأكثر استعداداً لتقديم الموارد والالتزام العسكري من أجل أمن الشرق الأوسط، في حين لا يرى الالتزام ذاته من جانب الصين أو روسيا حتى الآن.
وفي حديثه عن جذور التدخل السعودي في اليمن، اعتبر داهوك أن سقوط صنعاء في أواخر عام 2014 شكّل لحظة حاسمة بالنسبة للسعودية، باعتبار أن جماعة من غير الدول تمكنت من السيطرة على عاصمة عربية.
وقال إن الحوثيين، بوصفهم فاعلاً من غير الدول، شكّلوا في نظر الرياض خطراً استراتيجياً، خصوصاً أن اليمن يشترك مع السعودية في حدود تتجاوز ألف كيلومتر، فضلاً عن الروابط الاجتماعية والثقافية بين البلدين.
وأضاف أن السعودية خلصت آنذاك إلى أنه إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل لمنع تمدد الحوثيين، فعليها أن تتحرك بنفسها، وهو ما أدى إلى تشكيل التحالف العربي بقيادتها عام 2015.
وأشار إلى أن ذلك كان، بحسب تقييمه، سابقة مهمة باعتباره أول تحالف قتالي غير غربي يتشكل في المنطقة بعيداً عن الولايات المتحدة وبريطانيا.
كيف تعاملت إدارة أوباما مع اليمن؟
ورأى داهوك أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تعاملت مع التطورات اليمنية آنذاك باعتبارها حرباً أهلية، ولم تنظر إليها بالدرجة نفسها التي كانت تنظر بها إلى ملفات أخرى في المنطقة.
وأوضح أن الأولوية الأمريكية كانت مكافحة الإرهاب، ولا سيما تنظيم القاعدة في اليمن، بالتعاون مع الحكومة السعودية، في وقت كانت واشنطن تجري مفاوضات مع إيران بشأن الاتفاق النووي المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA).
وبحسب داهوك، كانت إدارة أوباما حريصة على ألا يؤدي أي تطور إقليمي إلى عرقلة المفاوضات النووية مع إيران، بينما كانت طهران قد بدأت تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم وكيلاً يمكن الاعتماد عليه، على غرار «حزب الله» في لبنان، مستفيدة من موقع اليمن الاستراتيجي وقدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب.
وأضاف أن واشنطن لم تكن تعتبر إضعاف الحوثيين أو دعم الحكومة اليمنية مهمتها الرئيسية آنذاك، بل ركزت على مكافحة الإرهاب، ولذلك نظرت إلى الصراع بين الحوثيين وتنظيم القاعدة باعتباره جزءاً من حرب داخلية يمكن أن تؤدي، في نظرها، إلى إضعاف الطرفين.
وقال إن هذا التصور كان أحد أسباب عدم تقديم إدارة أوباما دعماً كاملاً للتحالف الذي قادته السعودية، واقتصار المساعدة الأمريكية على جوانب استخباراتية ولوجستية، إضافة إلى بعض عمليات التزود بالوقود جواً.
صالح والحوثيون وسقوط صنعاء
وأشار داهوك إلى أن تحالف الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح مع الحوثيين مثّل عاملاً مهماً في تمكين الجماعة من التقدم والسيطرة على صنعاء.
وقال إن صالح، الذي أُطيح به من الرئاسة، ظل يسعى إلى استعادة نفوذه والعودة إلى المشهد السياسي، ورأى في تحالفه مع الحوثيين فرصة لتحقيق ذلك.
وأضاف أن وفاة الملك السعودي عبدالله في يناير 2015، وتولي قيادة جديدة في المملكة، تزامنا مع مرحلة شديدة الحساسية في اليمن، لافتاً إلى أن الرياض كانت قد رفضت، بحسب روايته، عرضاً سياسياً حمله نجل صالح، أحمد علي صالح، يتعلق بإمكانية تجنب الحرب مقابل ترتيبات سياسية تضمن لصالح استعادة نفوذه.
وأوضح أن القيادة السعودية الجديدة كانت ترى أنها تمتلك القوة السياسية والعسكرية الكافية لإنهاء الملف اليمني سريعاً، وأن العملية العسكرية لن تستغرق أكثر من ستة أشهر أو عام، قبل أن يصمد الحوثيون وتتحول الحرب إلى نزاع طويل.
إيران والحوثيون والتقدم نحو عدن
وقال داهوك إن تسارع الأحداث بعد سقوط صنعاء، ثم تقدم الحوثيين باتجاه عدن، دفع السعودية إلى إعادة تقييم موقفها، خصوصاً مع ظهور مؤشرات على تعاظم الدعم الإيراني للجماعة.
وأشار إلى بدء رحلات شركة «ماهان إير» الإيرانية إلى صنعاء، ونقل مدربين ومستشارين من الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب معدات عسكرية لدعم الحوثيين، وفق روايته.
وأضاف أن وصول الحوثيين إلى مشارف عدن، بالتزامن مع ما اعتبرته السعودية توسعاً في الدعم الإيراني، دفع الرياض إلى اتخاذ قرار التدخل، بعدما خلصت إلى أنها بحاجة إلى وقف تقدم الجماعة.
لماذا لم تدعم واشنطن الحرب بشكل كامل؟
وأوضح داهوك أن اجتماعات عدة عُقدت قبل انطلاق العمليات العسكرية بهدف تحديد مستوى الدعم الذي يمكن أن تقدمه إدارة أوباما للسعودية.
وقال إن واشنطن وافقت في النهاية على تقديم دعم لوجستي، وعمليات للتزود بالوقود جواً، إضافة إلى دعم استخباراتي، لكنه لم يكن موجهاً بالضرورة إلى تنفيذ العمليات ضد الحوثيين، بقدر ما كان يستهدف حماية الأراضي السعودية.
وأشار إلى أن الحوثيين كانوا قد بدأوا بإطلاق الصواريخ باتجاه السعودية، بما في ذلك صواريخ سكود معدلة، إلى جانب تنفيذ عمليات توغل عبر الحدود، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إنشاء خلية عمليات مشتركة لدعم السعودية وحمايتها من التهديدات.
وشدد على أن قرار بدء الحرب كان في نهاية المطاف قراراً سعودياً، وأن الولايات المتحدة لم تتخذ القرار نيابة عن الرياض.
وقال داهوك إن الأمم المتحدة كانت في تلك المرحلة تركز بصورة كبيرة على الملف الإنساني، بينما كانت السعودية تنظر إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بعمليات التهريب وتزايد الحضور الإيراني في اليمن.
وأضاف أن هذا الاختلاف أدى إلى حالة من عدم التوافق بين الأهداف السياسية والأمنية من جهة، والأهداف الإنسانية للأمم المتحدة من جهة أخرى.
وأوضح أن الولايات المتحدة كانت ترى أن استمرار نوع من الاحتواء بين الأطراف قد يخدم مصالحها، ولم تكن مستعدة للتعامل مع احتمال تحقيق التحالف السعودي الإماراتي انتصاراً عسكرياً حاسماً، بما في ذلك السيطرة على الحديدة والتقدم نحو صنعاء.
وبحسب داهوك، كانت واشنطن تخشى تداعيات انتصار طرف واحد في الصراع، وفضّلت استمرار حالة من التوازن والاحتواء إلى أن تتضح الصورة بشأن إيران.
وأشار داهوك إلى أن اليمن لم يكن في أواخر عام 2014 ضمن الأولويات الاستراتيجية الرئيسية للإدارة الأمريكية، التي كانت تركز بصورة أكبر على تنظيم داعش.
وقال إن الاهتمام الأمريكي باليمن كان محصوراً بدرجة كبيرة في أجهزة ودوائر مرتبطة بمكافحة الإرهاب، ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية والقيادة المركزية الأمريكية، اللتين كانتا تنفذان عمليات في هذا المجال.
وأضاف أن السعودية نفسها لم تكن تنظر إلى اليمن آنذاك بوصفه الملف الاستراتيجي الأهم، إذ كانت عمليات مكافحة الإرهاب داخل اليمن تُدار بالتعاون مع وزارة الداخلية السعودية.
لكن التطورات المتسارعة، وفق داهوك، غيّرت الحسابات بعد سقوط صنعاء ثم تقدم الحوثيين باتجاه عدن، بالتزامن مع مؤشرات على الدعم الإيراني.
هل تتجه السعودية إلى خيار عسكري جديد؟
وفي الجزء الأبرز من حديثه، قال داهوك إن السعودية تمتلك القدرة العسكرية والاقتصادية والنفوذ السياسي الذي يمكنها من إعادة إطلاق عمليات عسكرية في اليمن، لكنه شدد على أن اتخاذ مثل هذا القرار سيظل سياسياً بالدرجة الأولى.
وأضاف أن التطورات الأخيرة ومحاولات الحوثيين إعادة فرض نفوذهم داخل اليمن قد تكون مرتبطة بإدراك الجماعة أن السعودية تقترب من مرحلة يتعين عليها فيها اتخاذ قرار بشأن مستقبل الوضع على حدودها الجنوبية.
وقال إن السعودية «تحملت الحوثيين لعقود»، لكنها تواجه اليوم مجموعة من التهديدات والقضايا الجيوسياسية الجديدة، في وقت تحتاج فيه إلى يمن مستقر حتى تتمكن من التركيز على ملفاتها الإقليمية ومشروعاتها الاقتصادية، بما فيها «رؤية 2030».
وأكد داهوك أن أي حل عسكري للصراع اليمني لا يمكن تحقيقه من خلال الضربات الجوية وحدها، قائلاً إن «السعوديين يعرفون، ونحن نعرف، والولايات المتحدة تعرف، أننا لا نستطيع حل أي شيء من الجو».
وأضاف أن الوصول إلى قرار سياسي في اليمن يتطلب، من وجهة نظره، وجود قوة برية قادرة على القتال والحسم، أو أن تتمكن الحكومة اليمنية من حشد قواتها وخوض المعركة، أو العودة إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى تسوية تضمن أن يكون الحوثيون طرفاً ضمن بقية الأطراف اليمنية.
ما الهدف النهائي للحوثيين؟
وفي تقييمه للجماعة، قال داهوك إن الحوثيين يمتلكون القدرة والاستعداد للقتال والمقاومة، لكنه شكك في وضوح هدفهم الاستراتيجي النهائي.
وأضاف أن سيطرة الحوثيين على اليمن بالكامل لن تكون قابلة للتحقق، لأن الشعب اليمني والحكومة اليمنية، بحسب تقديره، لن يقبلا بهذا السيناريو.
وختم بالقول إن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم وضوح «الهدف النهائي» للحوثيين، متسائلاً عن الغاية التي يسعون إلى تحقيقها بعد سنوات من القتال، ومشيراً إلى أن أي هدف استراتيجي يريدون الوصول إليه سيكون من الصعب تحقيقه بشكل مستقل من دون الدخول في مفاوضات والتوصل إلى نتيجة مقبولة لمختلف الأطراف.