أثار استبعاد الطالبة السورية رؤى محمود شيخ محمد من قوائم أوائل الجمهورية في نتائج الثانوية العامة للعام الدراسي 2025–2026م، رغم حصولها على معدل مرتفع بلغ – بحسب متداولين ومهتمين بالقضية – 99.25%، موجة واسعة من الجدل والاستياء في الأوساط اليمنية، وسط مطالبات لوزارة التربية والتعليم بتقديم توضيح رسمي حول الأساس القانوني الذي استندت إليه في عدم إدراج اسمها ضمن قوائم المتفوقين.
وتحولت قضية الطالبة، التي ولدت وعاشت ودرست في اليمن بحسب ناشطين، إلى قضية رأي عام، بعد أن اعتبر كتاب وأكاديميون وناشطون أن استبعادها بسبب تصنيفها ضمن «الطلاب الوافدين» – إن صح ذلك – يثير تساؤلات حول معيار احتساب أوائل الجمهورية، ومدى اتساق تطبيق اللوائح المنظمة للامتحانات والتفوق الأكاديمي.
وبحسب ما تم تداوله، فإن الطالبة رؤى حققت أحد أعلى المعدلات في نتائج الثانوية العامة، إلا أن اسمها لم يظهر ضمن قائمة الأوائل، الأمر الذي فجّر موجة انتقادات واسعة ومطالبات بالكشف عن النص القانوني أو اللائحي الذي يجيز استبعاد الطالب المتفوق من قوائم الأوائل بسبب جنسيته.
البكيري: «التفوق لا ينبغي أن يُقابل بالتمييز»
وفي تعليق له على القضية، كتب الكاتب نبيل البكيري منتقداً استبعاد الطالبة، قائلاً: «إذا ثبت فعلاً أن الطالبة رؤى محمود شيخ محمد، السورية والمولودة في اليمن، والتي حصلت على معدل 99.25% وكانت ضمن أوائل الجمهورية لهذا العام، لم يتم إعلان اسمها ضمن الأوائل، فإن هذا الإجراء من قبل وزارة التربية والتعليم يعد إجراءً عنصرياً لا ينسجم مع القيم التي يفترض أن تقوم عليها مؤسسة تربوية».
وأضاف البكيري أن وزارة التربية والتعليم، بوصفها مؤسسة مسؤولة عن تعليم الأجيال قيم العدالة والمساواة، ينبغي أن تكون نموذجاً في إنصاف الطلاب، مطالباً – في حال ثبوت صحة المعلومات المتداولة – بالتراجع عن القرار وإدراج اسم الطالبة ضمن قائمة الأوائل.
وقال: «ما لم يتراجع الوزير ويعتذر للطالبة ويُضاف اسمها إلى أوائل الجمهورية، فإن أقل ما ينبغي أن يحدث هو تحمّل المسؤولية عن هذا الإجراء».
وثيقة سابقة تعيد الجدل حول «الطلاب الوافدين»
وفي سياق متصل، أصدرت مديرة مدارس القادة الأهلية الحديثة بمحافظة تعز، الأستاذة أمل هزاع عبدالله عقلان اليوسفي، بياناً بعنوان: «التبريرات الوزارية بشأن استبعاد الطالبة رؤى تتناقض مع السوابق الرسمية الموثقة».
وقالت اليوسفي إنها تابعت التصريح المنسوب إلى مستشار وزير التربية والتعليم عارف ناجي علي بشأن عدم إدراج اسم الطالبة رؤى ضمن قائمة أوائل الجمهورية، والذي عُزي فيه الاستبعاد إلى تطبيق لوائح خاصة بـ«الطلاب الوافدين»، تقضي – بحسب البيان – بإدراجهم في قوائم مستقلة وعدم شمولهم بقائمة الأوائل على المستوى الوطني.
وأكدت في بيانها احترامها للأنظمة واللوائح، لكنها شددت على ضرورة أن تكون «واضحة ومعلنة ومطبقة على الجميع بمعيار واحد ومستقر».
وقالت: «إننا نضع أمام الرأي العام والجهات المعنية وثيقة رسمية تكشف بوضوح أن هذا التبرير يثير سؤالاً مشروعاً حول مدى اتساق تطبيق هذه القاعدة عبر المراحل التعليمية المختلفة».
وأشارت إلى وثائق رسمية قالت إنها تثبت تكريم الطالبة الوافدة دانه بشير محمد المصري، من مدارس القادة الأهلية الحديثة، ومنحها درع تكريم رسمي بعد حصولها على المركز العاشر على مستوى المحافظة بمعدل 96.4% في الشهادة الأساسية للعام الدراسي 2013–2014م.
وأضافت: «إذا كانت صفة الوافد تحول دون إدراج الطالب في قوائم المتفوقين، فكيف أُدرجت الطالبة دانه بشير المصري، وهي طالبة وافدة، في ترتيب رسمي على مستوى المحافظة وكُرّمت على هذا الأساس؟».
واعتبرت أن هذه السابقة الرسمية تجعل من المشروع التساؤل عن الأساس النظامي الذي يبرر اختلاف المعاملة بين الحالتين.
«الامتحان واحد.. فلماذا تختلف النتيجة؟»
وأشارت اليوسفي إلى أن الاختبارات والدرجات تخضع لمنظومة تعليمية وامتحانية واحدة، معتبرة أن ترتيب الطالب ينبغي أن يستند إلى معيار معلن وواضح.
وقالت: «حين تُجرى الاختبارات وتُحتسب الدرجات وفق منظومة تعليمية وامتحانية رسمية، فإن ترتيب الطالب بناءً على مجموع درجاته ينبغي أن يستند إلى معيار معلن وواضح، ولا سيما أن التفوق في جوهره نتيجة رقمية قابلة للقياس والمقارنة، لا صفةً تتغير بتغير جنسية الطالب».
وأكدت أن إدراج الطالب ضمن قائمة الأوائل ليس مجرد ترتيب شكلي، بل يمثل تقديراً معنوياً لسنوات من الجهد والاجتهاد، ورسالة تشجيع للطلاب على المثابرة والتميز.
وأضافت: «إن حرمان طالب متفوق من هذا الاستحقاق يحتاج إلى سند نظامي صريح، وإلى تطبيق ثابت لا يختلف باختلاف الأشخاص أو السنوات أو المراحل».
وشددت على أن المطالبة لا تهدف إلى منح الطالبة رؤى استثناءً أو معاملة خاصة، وإنما إلى تطبيق معيار واحد على جميع الطلاب.
وقالت: «نحن لا نطالب بمعاملة خاصة للطالبة رؤى، ولا باستثناء من النظام من أجلها، وإنما نطالب بتطبيق معيار واحد على الجميع، وبإيضاح الأساس النظامي الذي استُند إليه في استبعادها، ومقارنته بالسوابق الرسمية الموثقة التي سبق فيها تكريم طلاب وافدين وترتيبهم ضمن قوائم المتفوقين».
وطالبت وزارة التربية والتعليم بمراجعة الإجراء، والكشف عن النص النظامي الصريح الذي يحكم هذه الحالات، وتوضيح أسباب اختلاف التطبيق بين السابقة الرسمية والحالة الحالية.
وأضافت: «اللوائح حين تكون معياراً للعدل، يجب أن تكون واحدة في تطبيقها، واضحة في نصها، وثابتة في أثرها، ولا ينبغي أن يتحول اختلاف الجنسية إلى سبب لمحو استحقاق أثبته التفوق بالأرقام».
وختمت بالقول: «رؤى لم تطلب أن تُمنح ترتيباً لا تستحقه؛ كل ما نطالب به أن يُعلن ترتيبها الذي استحقته».
تضامن شعبي واسع
من جانبه، اعتبر الناشط عبدالرقيب أحمد العكادي أن حجم التفاعل الشعبي مع قضية الطالبة يعكس رفض اليمنيين لأي تمييز قائم على الجنسية.
وكتب: «هذا التفاعل الكبير لم يأتِ من فراغ… آلاف اليمنيين يتضامنون مع الطالبة السورية رؤى محمود شيخ محمد، وهذا ليس بغريب على الشعب اليمني؛ فهو حين يرى قضية عادلة لا يسأل عن الجنسية، بل يقف مع الحق».
وأضاف: «رؤى عاشت وتعلمت في اليمن، وتفوقها يستحق الإنصاف. ويبقى السؤال لوزارة التربية والتعليم: ما سبب استبعادها من أوائل محافظة المهرة؟ وهل هناك نص قانوني واضح يبرر ذلك؟».
وطالب العكادي الوزارة بتقديم توضيح للرأي العام، قائلاً: «إن وُجد مانع قانوني فليُوضح للرأي العام، وإن لم يوجد، فإنصاف الطالبة والاعتذار لها ولأسرتها واجب».
«التفوق لا يحمل جواز سفر»
وفي تعليق آخر، اختصر الناشط مطيع عبدالله القضية في عبارة قال إنها تمثل جوهر الجدل الدائر حول استبعاد الطالبة: «التفوق لا يحمل جواز سفر، والنجاح لا يُقاس بالجنسية، وإنما بالجهد والعطاء والإنجاز».
وأضاف: «الطالبة رؤى لم تأتِ من فراغ، بل درست في مدارس اليمن سنوات طويلة، واجتهدت حتى وصلت إلى نسبة مشرفة رفعت بها اسمها واسم مدرستها ومنظومتها التعليمية».
أكاديمي يطرح سؤالاً: «إذا كانت أعلى درجة لا تجعل صاحبها الأول.. فما معنى الأول؟»
وفي واحدة من أكثر التعليقات تداولاً حول القضية، تساءل الدكتور هلال محمد السفياني، أستاذ المناهج وطرائق التدريس المشارك في كلية التربية بجامعة المهرة، عن المعيار الذي ينبغي أن يُعتمد في تحديد أوائل الطلاب.
وقال: «وزارة التربية والتعليم... هكذا يُفترض أن يكون اسمها، لكن إذا عجزت الوزارة عن معرفة من هو الأول، فتلك مصيبة!».
وأضاف متسائلاً: «من هو الأول؟ صاحب أعلى درجة. هل يحتاج هذا إلى فلسفة أو اجتهاد أو تأويل؟».
وأكد السفياني أنه إذا كانت الطالبة رؤى قد حصلت بالفعل على أعلى مجموع درجات واستوفت شروط الترتيب المعلنة، فإن ترتيبها – بحسب رأيه – لا ينبغي أن يكون قراراً تقديرياً.
وقال: «إذا كانت الطالبة رؤى قد حصلت على أعلى مجموع درجات، مستوفية شروط الترتيب المعلنة، فترتيبها أولاً ليس منّة من أحد، ولا قراراً تقديرياً، بل استحقاق تفرضه نتيجة الامتحان نفسها».
وتوقف الأكاديمي عند التبرير المتداول بشأن تصنيف الطالبة ضمن «الوافدين»، طارحاً جملة من الأسئلة حول آلية هذا التصنيف.
وقال: «دعونا نسلّم جدلاً بالتبرير الذي يروّج بأن الطالبة رؤى صُنّفت ضمن قوائم الوافدين، وأن هذا هو سبب عدم إدراجها ضمن أوائل الجمهورية. لدي سؤالان واضحان: الأول، هل للوافدين امتحان مستقل أصلاً؟».
وأضاف: «فإذا كان الامتحان واحداً، والأسئلة واحدة، ومعايير التصحيح واحدة، والنتائج صادرة عن الوزارة نفسها، فعلى أي أساس يُفصل صاحب أعلى درجة عن بقية المتقدمين؟».
أما سؤاله الثاني، فقال إنه يتعلق بمصير قوائم الطلاب الوافدين أنفسهم: «إذا كان للوافدين ترتيب مستقل فعلاً، فأين قوائم أوائل الوافدين؟ ومن هم أصحاب المراكز الأولى فيها؟ ولماذا لا تُعلن الوزارة هذا الترتيب بوضوح وشفافية؟».
وختم السفياني تعليقه بالسؤال الذي أصبح محوراً للجدل المتصاعد حول القضية: «إذا كانت أعلى درجة لا تجعل صاحبها الأول، فما معنى الأول أصلاً؟».
مطالبات بتوضيح رسمي
ومع اتساع التفاعل، تتزايد المطالبات الموجهة إلى وزارة التربية والتعليم بتقديم توضيح رسمي ومفصل للرأي العام بشأن قضية الطالبة رؤى محمود شيخ محمد، والكشف عن النصوص واللوائح التي تحكم ترتيب الطلاب الوافدين في نتائج الثانوية العامة.
ويرى متابعون أن القضية تجاوزت كونها حالة فردية لطالبة متفوقة، لتفتح نقاشاً أوسع حول معايير إعلان أوائل الجمهورية، وشفافية تطبيق اللوائح، ومدى اتساقها بين مختلف المراحل التعليمية والسنوات الدراسية.
وبينما يطالب المتضامنون مع الطالبة بإعادة النظر في استبعادها وإعلان ترتيبها المستحق إذا كانت درجاتها تؤهلها لذلك، يبقى السؤال معلقاً في انتظار رد رسمي واضح من وزارة التربية والتعليم: هل تُقاس صدارة النتائج بأعلى الدرجات وحدها، أم أن الجنسية يمكن أن تصبح معياراً يحجب اسم المتفوق عن قائمة الأوائل؟.