أخبار محلية

حين تصبح العودة إلى الوطن شرطا لاستعادة الدولة

المنتصف نت- المنتصف نت 29/08/2026 10:50 381 مشاهدة
حين تصبح العودة إلى الوطن شرطا لاستعادة الدولة

لم تعد دعوات الشارع اليمني بعودة قيادة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى أرض الوطن مجرد مطلب سياسي أو رسالة عابرة إلى أصحاب القرار. إنها، في جوهرها، تعبير عن رغبة متزايدة في أن تعود الدولة إلى المكان الذي يفترض أن تكون فيه: بين الناس، لا بعيدًا عنهم؛ حاضرة في تفاصيل حياتهم، لا غائبة عنها.
لقد طال انتظار اليمنيين، وتراكمت فوق كاهلهم سنوات من الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية والخدمية. ومع كل أزمة جديدة، كانت المسافة تتسع أكثر بين المواطن ومؤسسات الدولة، حتى بات كثيرون لا يسألون عن الخطط والبرامج بقدر ما يسألون سؤالًا أبسط وأكثر إلحاحًا: متى ستعود الحكومة الى أرض الوطن؟
لسان حال الشارع اليمني يقول: "أكبر أزمة اليوم تواجه الحكومة اليمنية ليست فقط توفير الكهرباء أو تسليم الرواتب، بل استعادة ثقة المواطن في الحكومة.
ولعل هذه العبارة تختصر جوهر المأزق كله".
فالكهرباء ليست مجرد خدمة، والراتب ليس مجرد رقم يُودع في حساب الموظف، والغذاء والدواء ليسا ملفين من ملفات الموازنة. هذه الأشياء تمثل الحد الأدنى من العلاقة التي تربط المواطن بالدولة. وعندما تعجز الدولة عن توفيرها أو ضمانها، فإن المشكلة لا تتوقف عند حدود الخدمة، بل تمتد إلى صورة الدولة نفسها في وعي المواطن.
ومن هنا، فإن عودة الحكومة بكامل اعضائها إلى الداخل ينبغي ألا تكون مجرد عودة للمكاتب والمؤسسات، وإنما عودة فعلية إلى مسؤولية الحكم. المطلوب ليس فقط أن تكون القيادة موجودة على الأرض، بل أن يشعر المواطن بوجودها من خلال قرارات ملموسة، وخدمات منتظمة، ومؤسسات تعمل، ومسؤولين يخضعون للمساءلة.
صحيح ان وجود القيادة في الداخل لا يحل وحده مشكلات اليمن، لكنه يبعث رسالة مختلفة أن المسؤولية لا تُدار عن بُعد، وأن من يطلب من الناس الصبر والتضحية مستعد لأن يكون بينهم، وأن الدولة التي تريد استعادة أرضها يجب أن تبدأ باستعادة حضورها.
فالعودة إلى الداخل، إن حدثت، ينبغي ألا تكون عودة إلى المكاتب، وإنما عودة إلى المسؤولية.
عودة إلى الشارع، إلى المؤسسات، إلى الجبهات، إلى الملفات الاقتصادية، إلى المواطن الذي لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.
وإذا كانت الشرعية تريد استعادة ثقة المواطن اليمني، فإن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من الخارج، ولا من البيانات، ولا من المؤتمرات بل يبدأ من لحظة يشعر فيها المواطن أن هناك من يقف إلى جانبه وأن الدولة التي ينادي بها المسؤولون ليست فكرة مؤجلة، وإنما مشروع حاضر يمكن أن يراه ويلمس أثره.
لم يعد مطلب عودة الحكومة مجرد دعوة مرتبطة بالمكان ولا احتجاجا على غياب المسؤولين عن المشهد الداخلي فحسب بل بات تعبيرا عن سؤال أكبر وأكثر إلحاحا: أين هي الدولة ومن يدير قرارها ومن يتحمل مسؤولية إنقاذها؟
منذ انقلاب مليشيا الحوثي، لم تنجح سلطة الشرعية في تحويل الاعتراف الدولي والإقليمي إلى قوة سياسية وعسكرية ومؤسسية قادرة على استعادة زمام المبادرة. وعلى امتداد سنوات الحرب، تضخمت هياكل السلطة، وتعددت مراكز القرار، وتكاثرت المسميات، بينما تقلص الفعل الحقيقي إلى الحد الذي أصبح معه المواطن يرى دولةً كثيرة العناوين، قليلة الحضور.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى حكومة مثالية، بقدر ما يحتاج إلى حكومة حاضرة، صادقة، وقادرة على الإنجاز.
حكومة ترى المواطن قبل الأرقام، والخدمة قبل الخطاب، والنتيجة قبل التبرير.