عدن : (البعد الرابع) غرفة الأخبار
كتب الاستاذ محمد الجنيدي تحليلاً استراتيجياً هام في صفحته الرسمية على منصة faecbook، بشأن الاحداث الجارية والتطورات العسكرية في جبهتي تعز واجزاء من الساحل الغربي ولأهمية ذلك البعد الرابع يعيد نشره:
النص كما جاء:
في ظل المؤشرات الميدانية المتسارعة التي تؤكد أن جبهة الساحل الغربي تتجه بالفعل نحو مواجهات عسكرية مباشرة وحتمية، يصبح من الواجب الاستراتيجي قراءة هذا المشهد من زاوية المصلحة الوطنية العليا.
إن إدارة هذه المرحلة تتطلب صياغة رؤية واضحة واستراتيجية ثابتة لا تخضع للمتغيرات الطارئة، ولا تتأثر بالاستفزازات الإعلامية الموجهة أو بالممارسات الجانبية الداخلية التي قد تدفع نحو اتخاذ مواقف متسرعة وانفعالية تفتقر إلى الدراسة والعمق السياسي والعسكري.
ومن هذا المنطلق، يجب أن تتأسس هذه الرؤية على قاعدة التوازن؛ بحيث تخدم بشكل مباشر القضية الجنوبية والمشروع الوطني الجنوبي، وفي الوقت ذاته تتقاطع إيجابياً وبما يلزم مع المشروع الوطني للأشقاء في الشمال لمواجهة الخطر المشترك.
ولتحقيق هذه الرؤية، ينبغي الاتفاق على جملة من المحددات الصارمة التي تجيب عن السؤال الأهم والمحوري في هذه المرحلة: هل سيكون الجنوبيون جزءًا من هذه المعركة أم سيبقون خارجها؟ إن الإجابة الحصينة عن هذا التساؤل لا يمكن أن تأتي عبر العواطف، بل يجب أن تُبنى أولاً وقبل كل شيء على تحديد دقيق ومجرد للمصلحة الوطنية الجنوبية، إلى جانب قراءة فاحصة وشاملة للظروف المحيطة بمراكز وصناع القرار الذين يمتلكون سلطة التوجيه والتحريك الميداني.
وعليه، فإن الموقف من مشاركة القوات يتمايز تبعاً لطبيعة الالتزامات والمنطلقات؛ فإذا كان نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قائد قوات العمالقة الجنوبية، أبو زرعة المحرمي، تحكمه التزامات سياسية وعسكرية مرتبطة باستمرار الشراكة القائمة في إطار مجلس القيادة، فهو يمتلك كامل الصلاحية وصاحب القرار السيادي فيما يتعلق بالقوات التي تقع تحت قيادته المباشرة. فإذا انطلق قراره من زاوية تحقيق مصلحة جنوبية واضحة وملموسة، فإن هذا التوجه سيتوافق تماماً مع تطلعات شعب الجنوب، وستكون القوات طوع إمرته وفي أهبة الاستعداد لتنفيذ هذا القرار ومسنودة بحاضنتها الشعبية والسياسية.
أما إذا تبين أن القرار العسكري يستند إلى اعتبارات أخرى خارج الحسابات السياسية الوطنية، كأن ينطلق من خلفيات عقائدية أو فكرية أو دينية، فهذا شأن يخصه بمفرده وهو المسؤول الأول عنه وعن تبعاته. وفي المقابل، يكون من حق القوى والمكونات الأخرى أن تتخذ مواقفها المستقلة وفقاً لقناعاتها الوطنية ومبادئ مشروعها التحرري.
وفي هذه الحالة، لا ينبغي تحت أي مبرر ممارسة أي ضغوط أو إملاءات سياسية أو ميدانية على القوات الجنوبية التي تأسست وعُمدت تضحياتها على أساس عقيدة وطنية جنوبية خالصة، وترتبط ارتباطاً مصيرياً وسياسياً وعسكرياً بالمشروع الوطني الجنوبي الذي يقوده الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي.
وفي هذا السياق، وإذا كانت الظروف القاهرة أو الترتيبات الحالية قد حالت دون الحضور المباشر للرئيس عيدروس الزبيدي أو إشرافه الميداني على تفاصيل هذه المرحلة الاستثنائية، فإن ذلك الغياب المؤقت لا يلغي بأي حال من الأحوال حقيقة راسخة: وهي ارتباط القوات الجنوبية العضوي بقيادته، واحتكامها المطلق لمشروعه الوطني. ومن هنا، يبرز دور القيادات العسكرية والميدانية التي تتولى إدارة وتوجيه هذه القوات على الأرض، وفي مقدمتها اللواء عثمان معوضة، حيث يمكن التفاهم والتنسيق معها للوصول إلى صيغة عملية تضمن حماية مكتسبات المشروع الجنوبي وعدم اختراقه أو تجاوزه.
ختاماً، فإن الخيارات الميدانية للتعاطي مع معركة الساحل الغربي تضع القوات الجنوبية أمام مسارين لا ثالث لهما: فإما أن يكون هناك تفاهم سياسي وعسكري واضح ومكتوب حول طبيعة المشاركة وحدودها بما يضمن خدمة الأهداف الوطنية الجنوبية بشكل صريح، وإما - على أقل تقدير في حال غياب الضمانات - أن تنسحب القوات الجنوبية من أي مواجهات هجومية لتبقى في مواقعها الحالية كقوة دفاع وحماية وحفظ توازن ضمن نطاقها الجغرافي المعني بتأمين الجنوب، مع إمكانية تقديم إسناد غير مباشر يقتصر على الدعم اللوجستي، والمعلوماتي الاستخباراتي، والتنسيق الميداني مع القوات التي ستخوض المواجهة المباشرة ضد مليشيات الحوثي.
إن هذا التموضع الحذر هو الكفيل بضمان عدم الإضرار بالمصلحة العليا للجنوب، ويمنع بشكل قطعي الزج بالقوات المسلحة الجنوبية في معارك استنزافية لا تتوافق مع أولويات مشروعها الوطني التحرري.
كتب: محمد الجنيدي