الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - 06:49 م بتوقيت عدن
المصدر: عدن الغد : نصيب محمد الحارثيليس كلُّ الأبطال يرتدون خوذاتٍ لامعة، ولا يحملون أسلحةً حديثة، ولا يقفون خلف المتاريس المحصّنة.
أحياناً يظهر البطل كما في هذه الصورة فتىً من تعز، حافي القدمين، بثيابٍ بسيطة، يحمل بندقية قنص تفوق جسده قوةً وحجماً، ويمضي بها فوق الحجارة كأنما يحمل راية وطن
تأملوا قدميه لا حذاء يحميهما من الصخور، ولا أرضٌ ممهدة تحت خطواته، ولا شيء في مظهره يوحي بأنه ذاهب إلى مواجهة الموت ،لكن انظروا إلى إرادته!
ذلك الفتى لم يكن يرى في البندقية وزنها، بل كان يرى فيها حقه في الدفاع عن مدينته ،ولم تكن الصخور تؤلمه بقدر ما كان يؤلمه أن يرى مدينته تُحاصر، وأن يُراد لها أن تنحني.
حافي القدمين لكنه لم يكن حافي الإرادة ،كان يمشي فوق الركام كما يمشي الرجال الذين قرروا أن تكون كرامتهم أغلى من أرواحهم ،كل خطوةٍ في الصورة تقول شيئاً
هنا تعز وهنا رجالها ،لم يحمل ذلك المغوار بندقيته لأنه يحب الحرب، بل لأنه وجد نفسه في زمنٍ لا يُترك فيه الوطن بلا مدافعين ،وفي اللحظة التي كان فيها آخرون يبحثون عن مكانٍ آمن، كان هو يبحث عن مكانٍ يرى منه عدوه ،وفي اللحظة التي كان فيها الخوف يطرق أبواب البيوت، كان هذا الفتى يخرج إلى الشارع، حافي القدمين، ليقول للموت ،لن أتراجع ،قد تبدو الصورة اليوم مجرد لقطةٍ قديمة لرجلٍ يحمل بندقية، لكن من يعرف تعز يعرف أن وراء هذه اللقطة حكاية مدينةٍ كاملة؛ مدينةٍ قاتلت وهي محاصرة، وصمدت وهي تنزف، ورفضت أن تتحول إلى رقمٍ في قائمة المدن التي ابتلعتها الحربة،ذلك الفتى لم يكن يحمل بندقيةً فقط ،كان يحمل رسالة.
رسالة تقول إن الوطن لا يحرسه أصحاب البدلات وحدهم، ولا أصحاب الرتب وحدهم، ولا الذين يملكون أحدث الأسلحة ،أحياناً يحرسه شاب حافي القدمين، لا يملك من الدنيا إلا جسده، وبندقيته، وقلباً لا يعرف معنى الاستسلام ،ولذلك حين تنظرون إلى هذه الصورة، لا تنظروا إلى قدميه الحافيتين انظروا إلى الطريق الذي قطعه بهما ،ولا تنظروا إلى ثقل البندقية ،انظروا إلى خفة الوطن في قلبه، وكيف حمله على كتفه دون أن ينحني ،ولا تسألوا من أين جاء هذا الفتى؟
بل اسألوا ،أيُّ وطنٍ يستطيع أن يُنجب رجالًا كهذا؟
إنها تعز، المدينة التي لم تكن تملك دائماً أقوى السلاح، لكنها امتلكت شيئاً أخطر الإرادة وسيظل هذا المغوار، في مثل هذه الصور، شاهداً على زمنٍ كانت فيه البطولة تُقاس بعدد الخطوات التي يقطعها الإنسان نحو الخطر، لا بعدد الأمتار التي يبتعد بها عنه.
حافي القدمين، ثقيل السلاح، خفيف الخوف ،وممتلئٌ بالوطن.
سلامٌ على ذلك الفتى،وسلامٌ على كل قدمٍ حافيةٍ مشت فوق حجارة تعز وهي تقول: هنا وطنٌ لا يُؤخذ ما دام فيه رجلٌ واحدٌ يرفض أن يتراجع.