أخبار محلية

تحليل : باب المندب.. ممر دولي هام وورقة تفاوض بيد جماعة مسلحة

البعد الرابع 09/09/2026 21:32 224 مشاهدة
تحليل : باب المندب.. ممر دولي هام وورقة تفاوض بيد جماعة مسلحة

خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار

لم تعد الاشتباكات المشتعلة في الساحل الغربي لليمن مجرد فصل جديد في حرب استنزاف دامت أكثر من عقد. ما يجري الآن هو نقل للصراع من الداخل اليمني إلى قلب المعادلة الإقليمية والدولية، حيث يتحول باب المندب من ممر ملاحي إلى أداة ضغط جيوسياسية تستخدمها طهران ووكلاؤها في مواجهة واشنطن وحلفائها.

الشرارة هذه المرة لم تأت من جبهة عسكرية فحسب، بل من قرار الحوثيين فرض استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء بالقوة. الخطوة لا علاقة لها بالطيران المدني. هي رسالة سياسية واضحة مفادها أن خط النفوذ الإيراني لم يعد متقطعاً، بل متصلاً جغرافياً من مضيق هرمز إلى باب المندب. وهي أيضاً استدعاء متعمد لذات الملف الذي فجر الحرب في 2015، لكن بأدوات أكثر تعقيداً في 2026.

هنا يلتقي البعدان. فالحوثيون لا يقاتلون فقط من أجل موقع في المخا أو الحديدة. هم يدفعون بنحو 140 ألف مقاتل ونخبة قواتهم نحو الساحل الغربي لسبب واحد: تثبيت وجود دائم قرب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، والذي يمر عبره 12% من نفط العالم المنقول بحراً وثلث حاويات التجارة. الهدف المعلن ضمناً يتماهى مع ما توعد به الحرس الثوري الإيراني في يوليو: إذا تعرضت إيران للضغط في الخليج، فسيكون الرد موازياً في البحر الأحمر. بهذا المنطق تتحول "الكماشة البحرية" بين هرمز والمندب إلى استراتيجية ردع موحدة.

لكن الرسالة لم تكن موجهة لواشنطن وحدها. إعلان ما سمي "الحصار البحري" على السعودية ونقل العمليات إلى المخا يحمل محاولة صريحة لجر الرياض إلى قلب المواجهة التي ظلت تتجنبها منذ سنوات. السعودية تريد إبقاء الصراع يمنياً ومحدوداً، والحوثيون يريدون العكس: تحويله إلى واجهة إقليمية مباشرة.

داخل اليمن، تبدو المعركة محسوبة بدقة. الهجوم على الساحل الغربي يهدف لاستنزاف قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، التي أربكت حسابات الحوثيين باعتراضها سفن تهريب السلاح، كما يهدف لإغلاق الباب أمام أي عملية حكومية مستقبلية لاستعادة الحديدة. وفي المقابل، بدأت الحكومة بلعب ورقة تشتيت الجهد عبر فتح جبهات في البيضاء والجوف، وإدخال متغيرين جديدين إلى الميدان: توسع غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيرة، وعودة الطيران العسكري لتنفيذ غارات. هذان العاملان تحديداً لم يكونا في حسبان الحوثيين عند إطلاق حملتهم، وكانا لسنوات أبرز نقاط قوتهم.

المفارقة أن الحرب التي بدأت محلية أصبحت اليوم تفرض أجندتها على الإقليم كله. اضطراب البحر الأحمر لم يعد شأناً يمنياً. هو تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة العالمية، ولأمن مصر والسعودية ودول الخليج. وهذا يعني أن فراغ الدولة في اليمن لم يعد ينتج أزمة إنسانية فقط، بل ينتج تهديداً لخطوط الملاحة الدولية. وبالتالي فإن أي حديث عن الأمن القومي العربي سيقود حتماً إلى شراكة أمنية أعمق داخل اليمن، سواء أرادت دول المنطقة ذلك أم لا.

في المحصلة، السؤال الذي تطرحه معركة الساحل الغربي ليس من سيسيطر على موقع هنا أو هناك. السؤال هو من يملك حق تعريف باب المندب. هل سيبقى ممراً دولياً تحكمه القوانين والتحالفات، أم سيتحول إلى ورقة تفاوض بيد جماعة مسلحة؟

إذا نجحت محاولة ربط المندب بهرمز، فسنكون أمام نموذج جديد في العلاقات الدولية: دول ضعيفة ومفككة داخلياً، لكنها قادرة على ابتزاز الاقتصاد العالمي من خلال موقعها. وحينها ستنقلب المعادلة التي ختم بها محمد القاضي مقاله. لم يعد استقرار اليمن شرطاً لاستقرار المندب فقط، بل أصبح استقرار المندب هو الشرط المسبق لأي تسوية ممكنة في اليمن.

كتب: د. محمد القاضي