كثرت خلال الساعات الماضية الشائعات والتفسيرات المتداولة هنا وهناك، بين من يتحدث عن «خيانات» في الميدان، ومن يحاول تحميل المملكة العربية السعودية أو دولة الإمارات مسؤولية ما حدث. وهذه القراءات، في تقديري، لا تساعد على فهم حقيقة ما جرى، ولا تنسجم مع طبيعة المعركة وتعقيداتها.
الحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها أن المقاتلين والقادة الذين كانوا على أرض المعركة قاتلوا بشجاعة، وقدموا تضحيات كبيرة، ولم يكن ما حدث نتيجة جبن أو تخاذل من الرجال الذين واجهوا الهجوم.
وإذا أردنا قراءة التطورات بواقعية، فإن ما حدث بدأ بهجوم حوثي واسع ومكثف على مديرية الوازعية، استخدمت فيه أعداد كبيرة من المقاتلين، وتمكنت الجماعة الحوثية في نهاية المطاف من السيطرة على المديرية.
وفي مواجهة هذا التطور، كان تقدير قادة القوات، وفي مقدمتهم الفريقين طارق محمد عبدالله صالح و حمدي شكري، أن التعامل مع الهجوم يتطلب مسارين متزامنين:
أولًا، تدخلًا جويًا مكثفًا لاستهداف الحشود الحوثية قبل وصولها إلى خطوط الاشتباك؛ وثانيًا، فتح بقية الجبهات بصورة قوية، لإجبار الحوثيين على توزيع قواتهم وعدم تركيز ثقلهم العسكري على جبهة الساحل.
غير أن المشاركة الجوية، بحسب المعطيات المتداولة في الميدان، جاءت في نطاق محدود، كما أن الضغط على الجبهات الأخرى لم يصل إلى المستوى الذي كان يمكن أن يخفف بصورة كافية من الضغط على جبهة الساحل.
وهنا تغيرت المعادلة العسكرية.
فبعد سقوط الوازعية، لم يعد الخطر محصورًا في خسارة منطقة جغرافية، وإنما أصبح يتمثل في إمكانية تحول التقدم الحوثي إلى عملية التفاف وقطع لخطوط الإمداد والاتصال باتجاه ذوباب، بما قد يؤدي إلى عزل القوات الموجودة في حيس والخوخة والمخا عن بقية مناطق السيطرة.
وهذه نقطة جوهرية في فهم قرار الانسحاب.
فبقاء قوة عسكرية كبيرة في مواقع متقدمة، بعد تغير طبيعة التهديد وظهور احتمال قطع الطريق، قد يحولها من قوة مقاتلة إلى قوة محاصرة. وعندما تصبح قوة كبيرة، بما لديها من أفراد وعتاد وتسليح، مهددة بالحصار دون وجود غطاء جوي كافٍ أو جبهات موازية تضغط على الخصم، فإن المحافظة عليها تصبح أولوية عسكرية لا تراجعًا عن المعركة.
ومن هذا المنظور، فإن الانسحاب من حيس والخوخة والمخا لا ينبغي قراءته بصورة منفصلة عن التطور الذي سبقه في الوازعية، بل باعتباره إعادة تموضع اضطرارية لتجنب الوقوع في كماشة عسكرية محتملة، وتأمين سلامة القوات وسحب أكبر قدر ممكن من الأسلحة والمعدات قبل إغلاق طرق الحركة والإمداد.
وفي الحروب، لا تقاس القرارات العسكرية بعدد الكيلومترات التي تم التراجع عنها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على القوة القتالية ومنع تدميرها أو أسرها، وإعادة استخدامها في ظروف أكثر ملاءمة.
فالجيش الذي ينسحب من موقع معرض للحصار لكي يحتفظ بقوته، ليس جيشًا مهزومًا بالضرورة؛ أما الجيش الذي يتمسك بموقع غير قابل للدفاع حتى تُحاصر قواته وتُستنزف أو تُؤسر، فقد يخسر الموقع والقوة معًا.
ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه التطورات حالة من الإرباك في الرأي العام، وأن تنتشر معها روايات عن الخيانة أو التخلي أو المؤامرة. لكن الحكم على ما جرى يجب أن يستند إلى الوقائع العسكرية على الأرض، وإلى تسلسل الأحداث، وإلى طبيعة القرارات والخيارات المتاحة في لحظة اتخاذها، وليس إلى الشائعات والانفعالات.
والمرحلة القادمة يفترض أن تكون مرحلة إعادة ترتيب لمسرح العمليات، وإعادة توزيع للقوات والمهام، وتحديد خطوط دفاع جديدة، بما يسمح باستعادة زمام المبادرة من مواقع لا تكون معرضة لخطر الحصار أو العزل.
فالانسحاب التكتيكي لا يعني بالضرورة نهاية المعركة، كما أن فقدان موقع لا يعني فقدان القدرة على القتال.
أحيانًا يكون الانسحاب خطوة إلى الخلف، ليس هروبًا من المعركة، وإنما حفاظًا على القوة استعدادًا للعودة إليها بشروط أفضل.
وكما يقال: السهم لا يعود إلى الخلف لأنه فقد قدرته على الانطلاق، وإنما يُسحب إلى الخلف ليكتسب قوة الدفع قبل أن ينطلق إلى الأمام.
من صفحة الكاتب على الفيسبوك