أخبار محلية

المخا وباب المندب.. حين يصبح البحر رهينة في يد إيران

المنتصف نت- المنتصف نت 11/09/2026 04:54 316 مشاهدة
المخا وباب المندب.. حين يصبح البحر رهينة في يد إيران

لم تعد المخا مجرد مدينة يمنية سقطت في سياق حرب طويلة، ولم يعد ما يجري على الساحل الغربي لليمن شأناً داخلياً يمكن اختزاله في خرائط السيطرة العسكرية. المسألة أكبر من ذلك بكثير. إنها تتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر، وباب المندب، وبواحد من أهم شرايين التجارة العالمية، وبالمشروع الإيراني الذي أثبت خلال السنوات الماضية أنه لا يبحث فقط عن النفوذ داخل عواصم المنطقة، بل عن مفاتيح الجغرافيا التي تمكنه من تحويل هذا النفوذ إلى قوة ابتزاز إقليمية ودولية.

السيطرة الحوثية على المخا، إذا ما ترسخت وتحولت إلى قاعدة متقدمة على الساحل، يجب ألا تُقرأ باعتبارها انتصاراً ميدانياً لجماعة مسلحة فحسب. إنها تطور استراتيجي يستوجب أن تدق معه عواصم المنطقة والعالم أجراس الإنذار. فالمخا تقع في منطقة لا تسمح بالجغرافيا المحايدة. ومن يقترب من باب المندب لا يقترب من مضيق يمني فحسب، بل يقترب من شريان تمر عبره مصالح العالم بأسره.

هنا تحديداً تظهر إيران في المشهد، حتى وإن لم يرفع جندي إيراني واحد علمه فوق الساحل اليمني.

هذه هي لعبة طهران التي باتت معروفة: لا تحتاج دائماً إلى احتلال الأرض كي تفرض نفوذها عليها، ولا تحتاج إلى نشر جيشها في كل ساحة كي تجعل الآخرين يدفعون ثمن حضورها. يكفي أن تمتلك حليفاً مسلحاً، عقائدياً وسياسياً، يستطيع أن يتحول إلى أداة ضغط في اللحظة المناسبة. وهذا بالضبط ما يجعل الحوثيين أكثر من مجرد طرف في الحرب اليمنية.

لقد تحول الحوثيون تدريجياً من جماعة تخوض صراعاً على السلطة داخل اليمن إلى قوة قادرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وإدخال السفن التجارية والممرات البحرية الدولية في حسابات الحرب الإقليمية. وهذه النقلة وحدها كافية لإعادة تعريف الخطر الحوثي.

المشكلة ليست أن الحوثيين يريدون السيطرة على مدينة جديدة. المشكلة أنهم يقتربون من منطقة تمنح من يسيطر عليها قدرة على التأثير في البحر.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: هل يمكن السماح لجماعة مسلحة مرتبطة بإيران بأن تتحول إلى قوة تتحكم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في واحدة من أهم بوابات التجارة الدولية؟

الإجابة يجب ألا تكون غامضة.

لا يمكن.

باب المندب ليس ملكاً للحوثيين، كما أنه ليس ورقة تفاوض في يد طهران. إنه ممر دولي لا يجوز أن يتحول إلى منصة لإطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو إلى أداة لفرض الإرادة السياسية على الدول والشركات والأسواق.

والأخطر أن إغلاق باب المندب ليس شرطاً حتى تتحقق الكارثة. يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفاً بالمخاطر حتى تبدأ شركات الملاحة بإعادة حساباتها، وترتفع كلفة التأمين، وتتغير طرق السفن، وتتضاعف كلفة النقل والطاقة والسلع. عندها يكون السلاح قد أدى وظيفته حتى لو بقي المضيق مفتوحاً على الخريطة.

هذه هي خطورة الجغرافيا عندما تقع في يد مشروع مسلح.

ومن هنا، فإن التعامل مع المخا باعتبارها مجرد معركة يمنية سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً. اليمن مهم، بالتأكيد، لكن أهمية ما يحدث في اليمن تتضاعف عندما تلامس المعركة البحر الأحمر وباب المندب. فما يحدث على الشاطئ يمكن أن تكون له تداعيات في قناة السويس، وفي الخليج، وفي أسواق الطاقة، وفي موانئ أوروبا وآسيا، وفي أسعار السلع التي تصل إلى ملايين المستهلكين.

إنها لحظة يجب فيها على المجتمع الدولي أن يتوقف عن إدارة الأزمة بالبيانات.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن بيانات القلق والإدانة لا توقف صاروخاً، ولا تحمي سفينة، ولا تمنع جماعة مسلحة من توسيع نفوذها. العالم لا يحتاج إلى بيان جديد يقول إنه "يتابع بقلق". العالم يحتاج إلى استراتيجية واضحة تمنع تحويل الساحل اليمني إلى قاعدة دائمة لتهديد الملاحة الدولية.

والدول العربية، خصوصاً دول الخليج ومصر، لا تستطيع التعامل مع هذه التطورات باعتبارها ملفاً أمنياً بعيداً.

فباب المندب جزء من منظومة الأمن العربي. ومن يسيطر على مفاتيح البحر الأحمر يمتلك قدرة على التأثير في أمن الخليج، وفي حركة التجارة، وفي أمن الطاقة، وفي مصالح دول عربية لا علاقة لها مباشرة بالحرب اليمنية.

إن السماح لإيران بأن تبني، عبر وكلائها، سلسلة نفوذ تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ليس مجرد تمدد سياسي. إنه إعادة رسم لخريطة القوة في المنطقة.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة أكثر صراحة: لا يجوز أن تتحول اليمن إلى منصة صواريخ إيرانية تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولا يجوز أن يصبح الشعب اليمني رهينة لمشروع إقليمي يستخدم أرضه وساحله وجغرافيته لتحقيق أهداف تتجاوز حدود اليمن.

فالخطر على اليمنيين هو في الأساس خطر على دولتهم وسيادتهم، والخطر على المنطقة هو خطر على أمنها، والخطر على العالم هو خطر على الملاحة والتجارة.

والذين يعتقدون أن النفوذ الإيراني يمكن احتواؤه بمجرد التفاوض مع أدواته يكررون الخطأ نفسه الذي سمح لهذا النفوذ بالتمدد في ساحات أخرى. إيران لا تنظر إلى وكلائها باعتبارهم مجرد حلفاء محليين؛ إنهم جزء من منظومة قوة تستخدمها طهران لرفع كلفة أي مواجهة معها، ولإبقاء خصومها تحت ضغط دائم، ولتحويل الأزمات المحلية إلى أوراق تفاوض إقليمية.

لذلك فإن السؤال لم يعد: ماذا سيفعل الحوثيون بعد المخا؟

السؤال الأهم هو: إلى أين تريد إيران أن تصل عبر الحوثيين؟

وإذا كان الجواب هو باب المندب، فإن المنطقة أمام لحظة لا تحتمل التردد.

فالمعركة هنا ليست على مدينة، وإنما على ممر بحري. وليست على ميناء، وإنما على حرية الملاحة. وليست بين طرفين يمنيين فقط، وإنما بين مشروع يريد تحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز، ونظام دولي يفترض أن تكون الممرات البحرية الحيوية فيه مفتوحة وآمنة.

لقد آن الأوان للتعامل مع الخطر الحوثي بالحجم الذي يستحقه، لا بالحجم الذي تفرضه البيانات الدبلوماسية. فمن يهدد الملاحة الدولية يجب أن يعرف أن للمجتمع الدولي مصالح وحقوقاً وخطوطاً لا يمكن تجاوزها.

وإذا كانت المخا اليوم محطة في الطريق، فإن باب المندب هو الهدف الذي يجعل كل خطوة على الساحل أكثر خطورة من سابقتها.

لهذا فإن انتظار وصول الخطر إلى المضيق كي يبدأ التحرك سيكون ضرباً من العبث.

عندها قد يكون السؤال متأخراً جداً.

فالسياسة الحكيمة لا تنتظر حتى تُغلق الأبواب كي تدرك قيمة المفاتيح.

والمخا اليوم ليست مجرد مدينة في حرب اليمن؛ إنها إنذار بأن معركة السيطرة على البحر الأحمر قد بدأت، وأن إيران، عبر ذراعها الحوثية، تحاول الاقتراب من أحد أخطر مفاتيح المنطقة.

ومن يملك الشجاعة السياسية يجب أن يقولها الآن، قبل أن يصبح قولها أكثر كلفة:

باب المندب ليس ساحة مفتوحة للمشروع الإيراني، ولن يكون رهينة بيد الحوثيين.