اليمن في الصحافة الخارجية

مفتاح باب المندب.. كيف تحولت المخا من ميناء "البن العالمي" إلى عقدة استراتيجية في حرب البحر الأحمر؟

روسيا اليوم- اخبار 11/09/2026 08:46 395 مشاهدة
مفتاح باب المندب.. كيف تحولت المخا من ميناء "البن العالمي" إلى عقدة استراتيجية في حرب البحر الأحمر؟

فالمدينة التي ارتبط اسمها بالقهوة في مختلف أنحاء العالم تحولت، على مدى قرون، من ميناء تجاري مزدهر إلى مدينة ساحلية صغيرة، قبل أن تستعيد أهميتها مجددا مع الحرب اليمنية بسبب موقعها القريب من مضيق باب المندب.

وتقع المخا في محافظة تعز، على بعد نحو 100 كيلومتر غرب مدينة تعز، ونحو 75 كيلومترا شمال مضيق باب المندب. ويمنحها هذا الموقع أهمية تتجاوز حجمها السكاني والاقتصادي، إذ تقع بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية الدولية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس ثم البحر المتوسط.

منذ نشأتها ارتبط تطور المخا بموقعها الساحلي. فالمدينة تقع على منطقة منخفضة وحارة وجافة نسبيا من الساحل الغربي لليمن، ضمن البيئة التهامية، وتختلف في طبيعتها المناخية والجغرافية عن مدينة تعز الجبلية.

موقع مدينة المخا على الخريطة

وتعاني المنطقة من محدودية الأمطار والموارد المائية، وهو ما جعل النشاط الاقتصادي للسكان يرتبط تاريخيًا بالبحر والتجارة أكثر من اعتماده على الزراعة الواسعة.

لكن الموقع البحري منح المخا ميزة أخرى أكثر أهمية، إذ جعلها محطة طبيعية على طرق التجارة بين جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند والخليج والبحر الأحمر.

موقع مدينة المخا على الخريطة

ارتبط اسم المخا عالميا بالقهوة، لكن المفارقة أن المدينة نفسها لم تكن مركز زراعة البن الرئيسي، بل كانت ميناء تصدير وتجميع للبن القادم من مناطق زراعية في المرتفعات اليمنية.

مدينة المخا تميزت بالبن

وكان البن ينقل عبر الطرق البرية إلى المخا، ومنها يشحن إلى الموانئ والأسواق الخارجية. وبسبب شهرة الميناء في تجارة البن، ارتبطت القهوة اليمنية باسم "Mocha"، وهي التسمية التي أصبحت لاحقا جزءا من المفردات العالمية المرتبطة بالقهوة.

امرأة تجمع بذور البن

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بلغت تجارة البن عبر المخا مستويات كبيرة، وتحولت المدينة إلى مركز تجاري دولي استقطب التجار من مناطق مختلفة من العالم.

لم تكن المخا في ذروة ازدهارها مدينة يمنية مغلقة على محيطها المحلي، بل كانت مدينة ذات طابع دولي واضح. وتشير المصادر التاريخية إلى وجود تجار وجاليات من الهند وشرق إفريقيا وفارس والدولة العثمانية، إضافة إلى تجار أوروبيين. كما عاشت فيها جالية يهودية كان لها دور في النشاط التجاري.

وأسهم هذا التنوع في تشكيل مجتمع حضري مختلف عن كثير من المدن اليمنية، حيث تداخلت التجارة والثقافات واللغات والعادات في مدينة صغيرة نسبيًا لكنها متصلة بشبكات اقتصادية تمتد من المحيط الهندي إلى أوروبا.

كان ازدهار التجارة ينعكس على عمران المدينة. فقد عرفت المخا القديمة بالأسوار والأبواب والقلاع والأسواق والمنازل التجارية والمساجد.

مسجد المخا 1926

وتشير المصادر الأثرية إلى أن المدينة كانت محاطة بمنظومة دفاعية تضم عدة أبواب وأبراج، بينما انتشرت داخلها المباني التجارية والدينية والسكنية التي تعكس طبيعة المدينة كميناء عالمي.

مسجد المخا

ومن أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المخا مسجد الشاذلي، الذي يحمل أهمية دينية وتاريخية في الذاكرة المحلية، ويرتبط اسمه كذلك بالروايات المتعلقة بتاريخ القهوة وانتشارها في اليمن.

وقد أدرجت اليونسكو المخا ضمن القائمة الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي، في اعتراف بقيمتها التاريخية والعمرانية وصلتها بتاريخ تجارة البن.

اكتسبت المخا أهمية إضافية خلال الفترة العثمانية، بعدما أصبح البحر الأحمر مسرحا للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. وكان الميناء يمثل نقطة اتصال مهمة بين اليمن والبحر الأحمر ومراكز التجارة الإسلامية، الأمر الذي جعل السيطرة عليه ذات أهمية اقتصادية وعسكرية.

المخا، اليمن، نقشٌ من أعمال فلوري وبلوندو، ورد في كتاب "الجزيرة العربية" لنويل ديڤيرجيه، نشرته دار فيرمان ديدو فرير، باريس، عام 1847.

ومع مرور الوقت رسخت المخا مكانتها كأحد أهم الموانئ في المنطقة، وأصبحت تجارة البن أحد أبرز مصادر قوتها الاقتصادية.

لكن ازدهار المخا لم يكن أبديا. فابتداء من القرن التاسع عشر بدأت المدينة تفقد تدريجيا مكانتها لصالح موانئ منافسة، خصوصا عدن والحديدة. كما أدى تغير أنماط التجارة العالمية وتطور السفن والموانئ إلى تقليص أهمية الموانئ التي لم تستطع مواكبة التحولات الجديدة.

مدينة المخا

وجاء افتتاح قناة السويس عام 1869 ليغير خريطة التجارة بين أوروبا وآسيا، ويزيد أهمية الموانئ القادرة على استيعاب حركة الملاحة الجديدة.

وفي الوقت نفسه واجه البن اليمني منافسة متزايدة من مزارع جديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فتراجعت مكانة المخا باعتبارها المركز الرئيسي لتجارة القهوة. وتسببت الحروب والصراعات أيضا في تدمير أجزاء من المدينة، وتسارع معها التراجع العمراني والاقتصادي.

كان التراجع الاقتصادي مصحوبا بتراجع سكاني كبير. وبعد أن كانت المخا مدينة تجارية مزدهرة تستقطب السكان والتجار من مناطق متعددة، انكمش حجمها تدريجيا حتى أصبحت خلال القرن العشرين مدينة ساحلية محدودة النشاط مقارنة بما كانت عليه في عصرها الذهبي.

مدينة المخا

وتظهر المفارقة التاريخية بوضوح في حالة المخا: مدينة صغيرة في الحاضر، لكنها كانت في مرحلة من تاريخها مركزا تجاريا ذا صلات مباشرة بالاقتصاد العالمي.

أما اليوم، فتضم مديرية المخا تجمعات سكانية وريفية تتجاوز حدود المدينة نفسها، فيما تسببت الحرب والنزوح خلال السنوات الأخيرة في تغيرات إضافية في التوزيع السكاني.

لم يعد اقتصاد المخا المعاصر قائما على تجارة البن كما كان في الماضي. ويعتمد السكان بصورة أكبر على الصيد والأنشطة المرتبطة بالبحر، إلى جانب التجارة والخدمات والنقل وبعض الأنشطة الزراعية المحدودة.

مدينة المخا

ويمثل ميناء المخا أحد العناصر الأساسية في اقتصاد المدينة. ورغم أن الميناء لا يحتل اليوم المكانة التجارية التي كانت له في القرون السابقة، فإن موقعه يجعله ذا قيمة استراتيجية واقتصادية كبيرة.

وتشير البيانات المنشورة عن الميناء إلى وجود طاقة تصميمية للتعامل مع كميات كبيرة من البضائع، لكن الحرب وعدم الاستقرار الأمني أثرا بصورة كبيرة في حركة الميناء والنشاط الاقتصادي المرتبط به.

ميناء المخا

تكمن أهمية المخا الحديثة في الفرق بين القيمة التجارية والقيمة الاستراتيجية. فالميناء ليس اليوم في مستوى موانئ إقليمية كبرى مثل عدن، ولا يملك الوزن التجاري التاريخي الذي امتلكه في عصر تجارة البن.

لكن موقع المدينة بالقرب من باب المندب يجعلها ذات أهمية استراتيجية بالغة. فباب المندب يمثل نقطة عبور رئيسية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومنه تمر حركة بحرية مرتبطة بقناة السويس والأسواق الأوروبية.

ميناء المخا

ولهذا فإن السيطرة على الساحل القريب من المخا لا تعني فقط السيطرة على مدينة يمنية، وإنما تمنح الطرف المسيطر موقعًا مؤثرًا في واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم.

أعادت الحرب اليمنية المخا إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي. فبعد اندلاع الحرب عام 2015، أصبح الساحل الغربي أحد أهم مسارح العمليات العسكرية. وفي عام 2017 تمكنت القوات المناهضة للحوثيين من السيطرة على مدينة المخا بعد معارك مع الحوثيين.

مدينة المخا

ومنذ ذلك الوقت تحولت المدينة إلى مركز عسكري مهم للقوات المناهضة للحوثيين، وأصبحت مرتبطة بصورة خاصة بالقوات التي يقودها العميد طارق محمد عبدالله صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.

ومع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في اليمن عام 2022، أصبح طارق صالح أحد أعضائه، ما زاد من الأهمية السياسية للمخا والساحل الغربي.

كان الدور الإماراتي أحد العوامل الرئيسية في إعادة تشكيل المشهد العسكري في الساحل الغربي. فالإمارات، التي شاركت في التحالف العسكري الذي تدخل في اليمن عام 2015، قدمت دعما لقوات محلية مناهضة للحوثيين، من بينها القوات المرتبطة بالساحل الغربي.

وأصبحت المخا إحدى أهم النقاط التي ارتبطت بهذا النفوذ العسكري والسياسي. لكن المعسكر المناهض للحوثيين نفسه ليس كتلة سياسية واحدة، إذ توجد داخله قوى متعددة تختلف في أهدافها السياسية ومصالحها المحلية والإقليمية.

إلى جانب الصراع بين الحوثيين وخصومهم، توجد قضية محلية تتعلق بمستقبل الساحل الغربي وتمثيل سكان تهامة في إدارة مناطقهم.

مدينة المخا

فالمخا تقع ضمن المجال الجغرافي الساحلي التهامي، ولذلك فإن مستقبلها السياسي لا يتعلق فقط بمن يسيطر عليها عسكريا، وإنما أيضا بالسؤال حول شكل الإدارة المحلية، وحجم مشاركة السكان المحليين، ومن يملك القرار الاقتصادي والأمني في الساحل.

وهذا البعد قد يصبح أكثر أهمية في أي تسوية سياسية مستقبلية للحرب اليمنية.

تتمثل أخطر أبعاد المخا السياسية والعسكرية في قربها من باب المندب. فهذا المضيق يشكل حلقة أساسية في طريق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا. وأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، ودفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.

خريطة تبرز موقع المخا

وقد شهد البحر الأحمر بالفعل خلال السنوات الأخيرة اضطرابات كبيرة في حركة الملاحة بسبب الهجمات والتهديدات المرتبطة بالحرب اليمنية.

ومن هنا فإن المخا أصبحت جزءا من معادلة أمنية تتجاوز حدود اليمن إلى الأمن البحري الإقليمي والدولي.

تأتي المخا حاليا في قلب تطورات عسكرية جديدة شديدة الحساسية. فقد أفادت تقارير في سبتمبر 2026 بأن الحوثيين تقدموا في الساحل الغربي وتمكنوا، وفق التقارير المتداولة، من السيطرة على مدينة المخا ومينائها ومناطق محيطة بها.

مدينة المخا

ويمثل هذا التطور، إذا استقرت السيطرة ميدانيا، تحولا مهما في ميزان القوى على الساحل الغربي، لأن المخا كانت خلال السنوات السابقة أحد أهم مراكز القوات المناهضة للحوثيين.

كما أن السيطرة على المدينة والميناء ستمنح الحوثيين موقعًا أكثر قربا من باب المندب، بما قد تكون له تداعيات على الحسابات العسكرية والأمنية المتعلقة بالبحر الأحمر.

غير أن الوضع الميداني في اليمن شديد السيولة، ولذلك ينبغي التعامل مع خريطة السيطرة في سبتمبر 2026 باعتبارها وضعا متغيرا وليس واقعا نهائيا.

تشهد المخا تطورات متسارعة

أثرت الحرب بصورة مباشرة في حياة سكان المخا. فالنزوح وتدمير البنية التحتية وتراجع فرص العمل والخدمات الأساسية جعلت السكان يعتمدون بصورة أكبر على المساعدات والاقتصاد المحلي المحدود.

وتبرز تحديات المياه والكهرباء والصحة والتعليم باعتبارها من أهم القضايا التي تواجه المدينة والمناطق المحيطة بها. كما أن الموقع العسكري للمدينة يجعل السكان المدنيين عرضة بصورة أكبر لتداعيات أي تصعيد جديد.

المناخ الساحلي الجاف وقلة الأمطار يجعلان المياه من أكبر التحديات التنموية أمام المخا. ومع أي نمو سكاني أو اقتصادي مستقبلي، ستزداد الحاجة إلى مصادر مياه أكثر استدامة، بما في ذلك تحلية مياه البحر، وتحسين شبكات التوزيع، ومعالجة مياه الصرف.

ويمكن أن تصبح تحلية مياه البحر جزءا أساسيا من أي مشروع لإعادة بناء المدينة وتطوير اقتصادها.

تمتلك المخا مقومات سياحية نادرة. فالمدينة تجمع بين: البحر الأحمر، التاريخ التجاري العالمي، تجارة البن، المدينة القديمة، المساجد التاريخية، القلاع والأسوار، الثقافة البحرية، قربها من باب المندب.

لكن الحرب والدمار والألغام وانعدام الاستقرار الأمني حالت دون تحول هذه الإمكانات إلى صناعة سياحية حقيقية. ويقول واقع المدينة إن إعادة تأهيل المخا لن تكون مسألة بناء طرق ومبانٍ فقط، وإنما ستحتاج أيضًا إلى حماية ما تبقى من تراثها التاريخي.

تختصر قصة المخا تاريخا طويلا من صعود المدن وسقوطها. فالموقع نفسه الذي صنع ثروتها في الماضي وجعلها مركزا عالميا لتجارة البن، هو الذي أعاد إليها أهميتها العسكرية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.

ومن مدينة تعتمد على القوافل والسفن لتصدير البن، تحولت المخا إلى نقطة على خريطة الصراع الإقليمي حول البحر الأحمر وباب المندب. واليوم تقف المدينة أمام مفترق طرق جديد.

فإما أن تستمر باعتبارها ساحة صراع عسكري، وإما أن يتحول موقعها الاستراتيجي إلى فرصة لإعادة بناء اقتصادها وربطها بشبكات التجارة الإقليمية، بالتوازي مع ترميم تراثها التاريخي.

المصدر: RT