لم تكن إجراءات يناير مجرد إعادة ترتيب سياسية وعسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بل مسّت البنية التي قامت عليها أبرز نجاحاته منذ عام 2015. فقد شكّل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والإمارات العربية المتحدة ركيزتين أساسيتين في التحالف، بما امتلكاه من حضور سياسي وقوة عسكرية وخبرة أمنية وقدرة على العمل في البيئة المحلية.
كان يمكن معالجة الخلافات داخل هذه الشراكة وإعادة تنظيم العلاقة بين أطرافها. لكن الاتجاه نحو إضعاف المجلس، وإعادة هيكلة القوات الجنوبية بعيدًا عن قيادتها، وتقليص الدور الإماراتي، لم ينتج تحالفًا أكثر تماسكًا. ما حدث هو تفكيك بنية قائمة قبل بناء بديل قادر على أداء وظائفها.
ولا يمكن فصل هذا الخلل عن الدور السعودي؛ فالرياض كانت الفاعل الرئيس في هندسة إجراءات يناير، وتعاملت مع الشركاء الذين يمتلكون قرارًا سياسيًا أو عسكريًا مستقلًا باعتبارهم منافسين ينبغي تحجيمهم. وبسعيها إلى تحويل تحالف متعدد الأطراف إلى هرم تابع لمركز واحد، قوّضت تماسك المعسكر وأصبحت مسؤولة عن النتائج السياسية والعسكرية التي ترتبت على ذلك.
المشكلة أن التحالفات لا تُبنى بالأوامر الإدارية وحدها. جمع القوات تحت مسمى واحد، أو تغيير قياداتها، لا يصنع تلقائيًا وحدة عسكرية. فالقوة الحقيقية تقوم على الثقة ووضوح الهدف وتماسك القيادة ووجود مصلحة سياسية مشتركة. وعندما يغيب هذا الأساس، تصبح الجيوش كبيرة في الكشوفات وضعيفة عند الاختبار.
وبالتوازي مع الدور السعودي، عملت أحزاب السلطة اليمنية على تحويل وجهة المعركة من مواجهة الحوثيين إلى تحجيم قضية الجنوب وتقويض قدراته السياسية والعسكرية. فقد وجدت في إجراءات يناير فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة لمصلحتها، وإنشاء مكونات بديلة، وإضعاف التمثيل السياسي الجنوبي، وتكريس واقع سياسي واقتصادي واجتماعي شديد البؤس في مناطق الجنوب. وبذلك أصبح استهداف القوة الجنوبية وضبط قرارها أولوية، بينما تراجعت مواجهة الحوثيين إلى مرتبة ثانوية.
ونتيجة لذلك، استُهلك جانب مهم من جهد المعسكر في صراعاته الداخلية: إعادة ترتيب القوات، وضبط مناطق الجنوب، وإدارة الرفض السياسي والشعبي، ومحاولة فرض مكونات بديلة وإعادة توزيع النفوذ. وفي الوقت الذي انشغل فيه خصوم الحوثيين ببعضهم، كان الحوثيون يراقبون نقاط الضعف ويستعدون لاستغلالها.
وكشفت التطورات العسكرية اللاحقة أن السيطرة الشكلية على القرار لم تنتج تنسيقًا ميدانيًا فعالًا. فعندما تعرضت الجبهات للاختبار، ظهرت فجوات القيادة والدعم وتبادل المعلومات، وعجزت التشكيلات المتعددة عن التحرك كقوة واحدة. ولم تكن نجاحات الحوثيين نتيجة قوتهم وحدها، بل استفادت أيضًا من تفكك المعسكر المقابل وانشغال أطرافه بصراع النفوذ والولاءات.
الخطأ الأساسي كان التعامل مع المجلس الانتقالي باعتباره تشكيلًا يمكن تفكيكه وإعادة توزيع قواته، لا ممثلًا سياسيًا يحظى بتفويض شعبي ويحمل قضية وطنية تستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة.
كما أن مطالبة القوات الجنوبية بالانخراط في حرب مفتوحة ضد الحوثيين، بالتزامن مع تهميش قضية شعب الجنوب ومحاولة تجاوز ممثله السياسي، تنطوي على تناقض لا يمكن تجاهله. فالجنوب دخل الحرب أساسًا دفاعًا عن أرضه وأمنه ومن أجل تحقيق تطلعات شعبه ومشروعه الوطني، وشارك إلى جانب تحالف دعم الشرعية في معارك حاسمة لصد الحوثيين، ضمن شراكة كان يفترض أن تتجه نحو هزيمتهم، لا نحو إعادة توجيه القوة ضد الجنوب. ولذلك لا يمكن استخدام قوة الجنوب في الحرب ثم تأجيل حقوق شعبه إلى ما بعد انتهاء الحاجة إليه.
من هنا، فإن استعادة فاعلية المعسكر المناهض للحوثيين تبدأ بالعودة عن إجراءات يناير، لا بمجرد إدخال تعديلات شكلية على نتائجها. والمقصود هو التراجع عن منطق الإقصاء والتفكيك، وإعادة الاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بوصفه ممثلًا سياسيًا مستقلًا لشعب الجنوب، والتعامل الجاد مع القضية التي يحملها، والاتفاق معه على شكل الشراكة والقيادة، ومستقبل القوات الجنوبية، وموقع الجنوب في أي تسوية قادمة.
ويقتضي تصحيح المسار أيضًا إعادة بناء الشراكة مع الإمارات باعتبارها طرفًا فاعلًا في التحالف الذي حقق إنجازات فعلية على الأرض. فإبعادها، بالتوازي مع إضعاف المجلس الانتقالي، لم ينهِ تعدد مراكز القرار بقدر ما أفقد المعسكر اثنتين من ركائزه الأساسية.
المطلوب ليس استعادة الماضي كما كان، بل بناء تحالف يقوم على الاعتراف بأطرافه ومصالحهم، ويوازن بين وحدة المواجهة واستقلال الشركاء. فلا يمكن تحقيق انتصارات مستدامة ضد الحوثيين عبر تفكيك القوى التي واجهتهم، ولا يمكن توحيد الجبهة بإقصاء أحد أهم مكوناتها.
ما كُسر في يناير لم يكن المجلس الانتقالي وحده، بل صيغة التحالف التي صنعت الانتصارات السابقة. وإصلاح هذا الخلل يبدأ بإعادة الجنوب إلى موقعه الطبيعي: شريكًا سياسيًا وعسكريًا كاملًا، لا ساحة للقتال ولا مخزونًا للقوات يُستدعى عند الحاجة ثم يُستبعد من القرار.
بقلم: شكري باعلي
القائم بأعمال رئيس الهيئة السياسية