تاريخ النشر: 17.09.2026 | 11:47 GMT
ارتبطت قبعة الأوشانكا بصورة الروسي في الشتاء، وأصبحت من أشهر الرموز الروسية عالميا، لكنّها لم تكن دائما رمزا روسيا كما تبدو اليوم.
ما الذي يتبادر إلى ذهنك عندما تتخيّل قبعة الأوشانكا؟ دعنا نخمّن! ربما أرنولد شوارزنيجر في فيلم "الحرارة الحمراء"؟ أو رائد الفضاء السوفيتي الثمل ليف أندروبوف في فيلم "أرمجدون"؟
جنود من الجيش الأبيض بقيادة كولتشاك يرتدون الأوشانكا والقبعات ذات القمم، 1919/ ملكية عامةفقد أصبحت الأوشانكا في أفلام هوليوود جزءا من الصورة النمطية للشخصية الروسية، ولا سيما عندما تكون الشخصية عميلا في جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي).
وبفضل هذه الصورة، تحولت الأوشانكا إلى أحد الرموز الروسية المعروفة عالميا، إلى جانب الماتريوشكا والبالالايكا والكوكوشنيك، وأصبحت من الهدايا التذكارية التي يحرص كثير من الزوار الأجانب على اقتنائها.
لكن ما يجهله كثيرون أن صورة الأوشانكا كرمز روسي عالمي جاءت لاحقا؛ إذ لم تبدأ هذه القبعة بوصفها رمزا ثقافيا أو قطعة أزياء، بل ارتبط ظهورها بالجيش والحاجة إلى حماية الرأس من البرد القارس.
ما أصل الأوشانكا؟
إذا كنت تعتقد أن الروس يرتدون الأوشانكا منذ قرون، فالأمر ليس كذلك. فقد ظهرت القبعة بصورتها المعروفة في القرن العشرين.
وعلى مر التاريخ، استخدم الروس أنواعا مختلفة من أغطية الرأس الشتوية. وكان شكل القبعة يختلف بحسب المنطقة والطبقة الاجتماعية، من النبلاء والفلاحين إلى الرجال والنساء.
قبعات شتوية روسية تقليدية/ أرشيف الجمعية الجغرافية الروسيةولا يمكن اعتبار أي من هذه النماذج أوشانكا بالمعنى المعروف اليوم، وإن كانت بعض التصاميم تشبهها، ولا سيما قبعة "التريوخ"، ويُعتقد أن "التريوخ (Трёух)" يمثل أحد أسلاف الأوشانكا، وقد ارتبط اسمه بثلاثة أجزاء من الفرو تغطي الأذنين ومؤخرة العنق والجبهة. وعُرفت هذه القبعات في روسيا منذ القرن السابع عشر، وامتلكت القيصرات بعض النماذج المزخرفة منها، بينما انتشرت أيضا على نطاق واسع بين الفلاحين الروس خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ويُعتقد أن أصل هذا النوع من أغطية الرأس يعود إلى آسيا الوسطى، وربما وصل إلى روسيا بعد الغزو المغولي أو عبر التجارة مع الشعوب الآسيوية المجاورة. ومن النماذج القريبة منه قبعة "المالاخاي"، وهي قبعة مرتفعة مزودة بواقيات طويلة.
ويصف أحد أقدم القواميس التفسيرية للغة الروسية "المالاخاي" بأنها قبعة ذات أذنين كبيرتين، بينما يعرّف "التريوخ" بأنه قبعة شتوية دافئة من الفرو مزودة بأغطية للأذنين يمكن رفعها أو إنزالها.
قيرغيزي يرتدي قبعة المالاخاي، أوائل القرن التاسع عشر/ ملكية عامةمتى ظهرت الأوشانكا بصورتها المعروفة؟
ظهر اسم "أوشانكا" في القواميس بوصفه تسمية عامية لقبعة مزودة بأغطية للأذنين. ويُعتقد أن القبعات التي حملت هذا الاسم بدأت بالظهور في روسيا خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، ولا سيما في 1918-1919، وانتشرت بين خصوم البلاشفة، ومن بينهم قوات الجيش الأبيض بقيادة ألكسندر كولتشاك. وكانت هناك أيضا نماذج صيفية من هذه القبعة.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت الأوشانكا في بعض وحدات البحرية التابعة للجيش الأحمر، ثم أصبحت في أربعينيات القرن العشرين القبعة الشتوية الرئيسية للقوات المسلحة السوفيتية.
جنود من الجيش الأبيض بقيادة كولتشاك يرتدون الأوشانكا والقبعات ذات القمم، 1919/ ملكية عامةوكانت أغطية الأذنين تُربط عادة فوق القبعة، بينما زُينت مقدمتها في النماذج العسكرية بالنجمة الحمراء. وكانت الأوشانكا السوفيتية تُصنع من جلد الغنم، فيما تُصنع النماذج الحديثة غالبا من الفرو الصناعي.
لكن الأوشانكا لم تبقَ حكرا على الجيش. فقد أصبحت جزءا من الحياة اليومية في الاتحاد السوفيتي، خصوصا في المناطق الشمالية، حيث جعلها دفؤها العملي مناسبة لمواجهة الثلوج والرياح والبرد القارس.
وانتشرت القبعة على نطاق واسع بين المواطنين السوفييت، كما اختار كثير من الأجانب الذين زاروا الاتحاد السوفيتي ارتداءها أو اقتناءها كتذكار.
أما ليونيد بريجنيف، فلم يكن يرتدي الأوشانكا عادة؛ إذ كان كبار الضباط والمسؤولون يظهرون غالبا بقبعات "الباباخا" المصنوعة من الفرو، من دون أغطية للأذنين.
الرئيس الأمريكي جيرالد ر. فورد يلتقي الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف في فلاديفوستوك، 1974من القبعة العسكرية إلى عالم الموضة
لم تعد الأوشانكا اليوم مجرد قبعة شتوية عملية، بل تحولت أيضا إلى إكسسوار في أزياء الشارع. وترتديها النساء بكثرة، كما ظهرت بها نجمات عالميات مثل ريانا وكيم كارداشيان، بينما قدم مصممو الأزياء حول العالم تصورات مختلفة لتنسيقها مع الملابس الحديثة.
ومع ذلك، حافظت الأوشانكا على ارتباطها بصورتها التقليدية؛ فما زالت تمثل في الثقافة الشعبية صورة رجال سيبيريا وعمال الغابات والأشخاص الذين يعيشون في أقسى مناطق روسيا برودة.
وهكذا انتقلت القبعة، التي ارتبطت في بداياتها بالتدفئة والحياة العسكرية والشتاء القارس، من قطعة عملية إلى رمز ثقافي روسي معروف في أنحاء العالم، ثم وجدت لنفسها مكانا في عالم الموضة.
المصدر: RBTH