تقرير / سعيد الجعفري
يمثل الاعتداء على بيت الله الحرام في مكة المكرمة من قِبل الميليشيات الحوثية واحدًا من أخطر الاعتداءات وأكثرها استفزازًا لشعوب ودول الأمة العربية والإسلامية أجمع، حيث يضع هذه الميليشيات في مواجهة أكثر من ملياري مسلم، لا يقتصر وجودهم على 57 دولة عربية وإسلامية، بل يمتد إلى دول العالم أجمع، إذ لا تخلو بقعة على وجه الأرض من المسلمين.
ومكة المكرمة هي العاصمة الروحية والدينية لجميع المسلمين، بما تحمله من قدسية عظيمة. ولا يوجد مكان آخر في العالم يضاهي مكانتها في قلوبهم، كما تفوق قدسيتها ما سواها من بقاع الأرض. وتأتي مكانتها لدى عموم المسلمين في المرتبة الأولى، لتسبق حتى أوطانهم وبلدانهم.
ولو سُئل أي إنسان، في أي بلد، عن المكان الذي يستهوي فؤاده، والذي لديه الاستعداد للدفاع عنه دون تردد إذا واجه الخطر، لكانت إجابته: مكة المكرمة، بيت الله على الأرض، ومن خلفها بلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية.
ومكة هي عاصمة المسلمين الروحية التي توحدهم جميعًا، وتحدد وجهتهم نحوها، وتأسر قلوبهم حبًا وإيمانًا وشغفًا. هي بيت الله على الأرض الذي تهوى إليه أفئدة الناس جميعًا، وكل من يصل إليها في كل عام فقد ظفر بزيارة بيت الله. وهل هناك ما هو أسمى من هذه الزيارة، ليكون في ضيافة الرحمن؟
مكة المكرمة هي أطهر بقاع الأرض، وأكثرها قدسية ومكانة وقيمة وحبًا. ومن أي مكان في العالم تتجه الوجوه إليها كل يوم، وللمسلمين معها موعد خمس مرات في اليوم، تشخص فيها قلوبهم وأبصارهم نحوها. فهي قبلتهم التي تتجه إليها أفئدتهم في صلواتهم الخمس، في وقوفهم بين يدي الله سبحانه وتعالى.
فهي رمز وحدتهم وهويتهم، ومحور عبادتهم، ولا شيء أكثر قيمة لديهم من مكة، قبلة المسلمين للوقوف بين يدي الله.
تشتاق النفوس إلى زيارتها، ويرخص الغالي والنفيس من أجل الوصول إليها. يأتون إليها من كل أقطار العالم، ومن أبعد المسافات وأقربها، ليكونوا جميعًا بين يدي الرحمن وفي ضيافته. فهل هناك قيمة أغلى من قيمة مكة؟ فهي أول بيت وُضع للناس:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾.
وقد شغلت العقول والقلوب، فسطر الناس في حبها أجمل الكلمات.
وتسابق الشعراء والكتاب على مر الأزمنة والعصور في انتقاء أجمل الكلمات في وصف سحرها والهيام في حبها
مكة.. البوتقة الجامعة لوحدة المسلمين
مكة المكرمة هي البوتقة الجامعة لوحدة المسلمين، والأكبر في توحيد الأمة الإسلامية. وعلى مساحتها الجغرافية تذوب كافة الفوارق المصطنعة بين البشر، فالجميع يقفون فيها سواسية.
وتتجلى دلالات هذه الرمزية الوحدوية في عدة أبعاد، أبرزها الاتجاه الموحد نحو القبلة باعتبارها مركزًا للكون. وفي كل ثانية ودقيقة، تصطف أجساد ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في دوائر هندسية متكاملة تحيط بالكعبة المشرفة. هذا التوجه اليومي المتكرر يرسّخ في وجدان المسلم أنه ليس فردًا معزولًا، بل جزء من جسد واحد ضخم يتنفس في وقت واحد، ويتجه نحو غاية واحدة، مما يذيب مسافات الجغرافيا الشاسعة، ويزيل الفوارق العرقية والطبقية.
وملايين الحجاج القادمين إلى مكة يحلون فيها على قدم المساواة، وتختفي كل مظاهر القوة والجاه والثراء، حيث يرتدي الجميع — الملك والفقير، العربي والأعجمي، الأبيض والأسود — رداء الحج الأبيض البسيط (الإزار والرداء). ويسحق هذا التجرد البصري الكامل النزعات الطبقية والعنصرية، ويعيد صياغة الإنسانية على مبدأ المساواة المطلقة والعدالة الشاملة تحت سقف العبودية لله وحده.
وتتلاشى الخلافات السياسية والفكرية على مر العصور. وحين كان عدد من قيادات الحوثي يؤدون مناسك الحج، لم يكن أحد ليعترض خطواتهم، ولم يكونوا خصومًا لأحد، بل كانوا باعتبارهم حجاجًا يقفون على قدم المساواة مع غيرهم.
وعلى الرغم مما شهده العالم الإسلامي في عصور مختلفة من انقسامات سياسية وحروب بين دول وممالك متباينة، وتعددت خلاله المذاهب الفقهية والفكرية، وعلى مدى العصور والأزمنة، تظل مكة هي "الواحة الروحية المحايدة" التي يلتقي فيها الجميع بسلام. ويطوف على جنباتها السني إلى جوار الشيعي، ويصلي الحنفي بجانب المالكي، دون أن تؤثر هذه التباينات على سلامة المشهد، مما يجعل مكة المرجعية العليا التي تذكّر الأمة دائمًا بجوامعها الكبرى ووحدتها.
المؤتمر الإنساني الأكبر دوريًا
يمثل الحج السنوي أكبر تجمع واجتماع بشري دوري ومنظم في التاريخ الإنساني. وهو لا يعد مجرد أداء للشعائر، بل مؤتمر تفاعلي تلتقي فيه الشعوب من أكثر من 165 دولة وثقافة، يتبادلون فيه المعارف، ويتلمسون هموم بعضهم البعض، مما يعزز روح التكافل العالمي والجسد الواحد للأمة.
مكة.. مكانة عالمية فريدة
لا تقتصر مكانة مكة المكرمة على المسلمين والأمة العربية والإسلامية، بل تتعدى ذلك لتحظى بمكانة استثنائية وفريدة لدى دول العالم من غير المسلمين، وتظل محط أنظار العالم ومحور اهتمام القوى الدولية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بما تشكله من مركز ثقل جيوسياسي واتصال دولي تدركه جيدًا العواصم الكبرى (مثل واشنطن وبكين ولندن)، باعتبار مكة مفتاح التأثير على مشاعر أكثر من ملياري مسلم في العالم.
أحد مصادر القوة الناعمة
تنظر الدبلوماسية الدولية والدول الكبرى إلى إدارة مكة ورعاية الحجيج كأحد أهم مصادر "القوة الناعمة" للمملكة العربية السعودية. ولذا، فإن استقرار مكة وأمنها يعدان أولوية للأمن السلمي الدولي، لما قد يحدثه أي اضطراب فيها من ارتدادات سياسية واجتماعية تمس دولًا عديدة عبر العالم.
شريان اقتصادي وقبلة للاستثمارات
تعتبر مكة من أكثر المدن جذبًا للاستثمارات الضخمة في العالم، نظرًا لتأثير اقتصاد الحج والعمرة المستدام، الذي يدر مليارات الدولارات سنويًا.
وفي العقود الإنشائية الكبرى، تنافست كبرى الشركات الهندسية والتكنولوجية الغربية والآسيوية (غير المسلمة) للفوز بعقود تطوير البنية التحتية، مثل قطار الحرمين السريع، والأنظمة الذكية لإدارة الحشود، وتصميم ناطحات السحاب المحيطة بالحرم.
وقد فتحت رؤية 2030 الباب أمام الفرص الاستثمارية،
ظاهرة علمية ودراسات الأنثروبولوجيا
بالنسبة للأكاديميين والجامعات الغربية، تمثل مكة المكرمة أكبر ظاهرة بشرية واجتماعية على وجه الأرض. وتُدرس حركة الحشود في مكة في كبرى الجامعات العالمية كنموذج رائد في "علم إدارة الحشود" (Crowd Management)، حيث يتعجب الباحثون من كيفية تجمع ملايين البشر من لغات وخلفيات متباينة في بقعة جغرافية صغيرة وتنقلهم بدقة بالغة.
النظام البيئي والصحي المتبع
يثير النظام البيئي والصحي المتبع في الحج لمنع انتشار الأوبئة اهتمام منظمة الصحة العالمية والمراكز الطبية الدولية.
عظمة مكة في اللغات العالمية
تشكل الرمزية اللغوية والثقافية لمكة صورة انعكست خلالها عظمة مكانتها على اللغات العالمية (كالإنجليزية والفرنسية)، حيث تحول لفظ (Mecca) في القاموس الغربي إلى مصطلح ومجاز لغوي يُطلق على أي مكان يمثل مركز الجذب الرئيسي والقمة في مجاله.
الاعتداء على مكة.. خطر وجودي
يمثل أي اعتداء على مكة المكرمة أو الكعبة المشرفة، بالنسبة للمسلمين، خطًا أحمر وعملًا وجوديًا يستهدف العقيدة والهوية برمتها. ولذا، فإن أي مساس بها يحدث ردود فعل فورية وحاسمة، ويعتبر المسلمون أي اعتداء عليها إهانة شخصية ومباشرة لكل فرد من الملياري مسلم. وقضية مكة تتجاوز الخلافات الفكرية والسياسية، وهي النقطة الوحيدة التي يتوحد عليها جميع المسلمين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم. وفي حال حدوث أي تهديد، تتحول الأمة إلى كتلة واحدة متضامنة ضد المعتدي، ويسود الغضب العارم والاحتجاجات في كل مكان.
وقد أثارت المحاولات المتكررة من قِبل ميليشيا الحوثي لاستهداف منطقة مكة المكرمة والمناطق المحيطة بها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة موجة غضب عارمة وإدانات دولية وإسلامية واسعة النطاق. واعتبرت العواصم والمنظمات هذه الاعتداءات تجاوزًا لكافة الخطوط الحمراء واستفزازًا لمشاعر المسلمين في العالم.
مواقف المنظمات الإسلامية والعربية
أدانت منظمة التعاون الإسلامي بشدة الهجمات، ووصفتها بالأعمال "المشينة والدنيئة"، وأكدت الأمانة العامة للمنظمة أن استهداف مهبط الوحي والبلد الحرام يعد إرهابًا صريحًا ينتهك القانون الدولي والمعايير الإنسانية، معلنةً تضامنها الكامل مع كافة الإجراءات التي تتخذها السعودية لحماية أمنها ومقدساتها.
واعتبرت رابطة العالم الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي أن الهجمات دليل قاطع على الفكر المتطرف للميليشيا وعدم مراعاتها للمقدسات الإسلامية، وأكدت دول الخليج أن أمن السعودية كل لا يتجزأ من الأمن الإقليمي. ووصفت جامعة الدول العربية والبرلمان العربي استهداف محيط مكة المكرمة بالاعتداء السافر والعمل الخسيس الذي يتخطى كل الحرمات الدينية والسياسية.
مواقف الدول العربية والإسلامية
أصدرت الخارجية المصرية بيانات تنديد شديدة اللهجة، مؤكدةً وقوفها الاستراتيجي والدائم مع المملكة ضد أي تهديد يمس ترابها أو مقدسات المسلمين. وأدانت باكستان وتركيا التهديدات الجوية بشكل حازم، ولوّحت باكستان تاريخيًا، وإبان التصعيد المتكرر، بأن أي هجوم يهدد أمن واستقرار الأراضي المقدسة من شأنه تفعيل بنود الدفاع والتعاون الأمني العسكري المشترك لحماية المقدسات.
واستنكرت الحكومة الشرعية اليمنية بشدة تلك العمليات الإرهابية، معتبرةً إياها تكشف "الوجه الحقيقي والمشروع الإيراني للميليشيا" الذي يتستر وراء شعارات دينية زائفة، بينما يوجه مسيراته وصواريخه صوب قبلة المسلمين.
وتوالت الإدانات الرسمية الصارمة من دول عربية أخرى، منها الكويت والإمارات والبحرين والأردن وقطر، والتي أكدت دعمها المطلق لحق المملكة المشروع في حماية سيادتها ومواطنيها.
المواقف الدولية والغربية
أدانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الهجمات الصاروخية للميليشيات على الأعيان المدنية والمناطق الحيوية في المملكة، واعتبرتا استمرار تدفق الأسلحة الإيرانية المهربة للحوثيين تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي وسلامة الملاحة.
وعبّر الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا عن استنكارهم البالغ للتصعيد العسكري الحوثي واستهداف المدن، معتبرين الاعتداءات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر إقحام المرافق الدينية والسكنية في النزاعات المسلحة.
كيف ينظر القانون الدولي؟
يؤكد القانون الدولي الإنساني على حماية الأعيان الثقافية والدينية. ومن منظور دولي عام يشمل حتى الدول غير الإسلامية، تفرض اتفاقية لاهاي لعام 1954 (الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح) والبروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف حظرًا تامًا على توجيه أي أعمال عدائية ضد أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.
وأي اعتداء على مكة يُصنف دوليًا كـ"جريمة حرب"، تلزم المجتمع الدولي بأسره بالتدخل والإدانة ومعاقبة المعتدي.