إقتصاد

تحول جيوستراتيجي: باب المندب يدخل رسمياً نطاق الحسابات الأمنية الصينية

نيوز ماكس 1 18/09/2026 03:46 402 مشاهدة
تحول جيوستراتيجي: باب المندب يدخل رسمياً نطاق الحسابات الأمنية الصينية

وكالات | لم يعد التصعيد العسكري حول مضيق باب المندب مجرد ملف محلي في النزاع اليمني أو ساحة للصراع الإقليمي المعتاد، بل تحوّل إلى أزمة جيوسياسية دولية عقب دخول جمهورية الصين الشعبية مباشرًة على خط الأزمة. ويرجع هذا التحول الحاسم إلى التهديد المباشر الذي بات يطال أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد البحرية التي تُعد الشريان الحيوي للاقتصاد الصيني.

مع تمدد جماعة الحوثي ميدانياً على امتداد ساحل البحر الأحمر والاقتراب المباشر من الممر الملاحي الدولي، وجدت بكين نفسها أمام معادلة دقيقة ومعقدة: كيفية الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية الاقتصادية مع طهران دون القبول بتحول أذرعها الإقليمية إلى مهدد يضرب مصالح الصين التجارية والنفطية.

تحركات خلف الكواليس: رسائل سرية وضغوط دبلوماسية

كشفت مصادر مطلعة أن العاصمة الصينية بكين مارست ضغوطاً دبلوماسية غير علنية على طهران لاستخدام نفوذها لدى الجماعة الحوثية لكبح التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع. وجاءت هذه الرسائل غير المعلنة عقب تواصل سعودي-صيني حثّ بكين على التدخل لمنع تفاقم المخاطر في الممر الملاحي الدولي بعد التطورات العسكرية الأخيرة بالساحل الغربي.

ورغم أن الخارجية الصينية اكتفت علناً بالدعوة إلى ضبط النفس وحماية الملاحة المائية، إلا أن اتصالاتها الخاصة أظهرت حزماً أكبر لمنع أي شلل يصيب واردات الطاقة القادمة إليها من الشرق الأوسط.

خنق الممرات المائية: سيناريو الشلل المزدوج (هرمز وباب المندب)

تضاعفت المخاوف الصينية إثر تسجيل شلل متزامن في حركة العبور عبر الممرات المائية الرئيسية:

مضيق هرمز: سجلت حركة شحن النفط تراجعاً حاداً وغير مسبوق بعبور 3 سفن فقط خلال أوقات الذروة مقارنة بمتوسط يومي يتجاوز 17 سفينة.

مضيق باب المندب: تراجعت حركة الملاحة التجارية بنسب قياسية جراء انتشار زوارق ومسيرات حوثية واقتراب الميليشيا من جزر حيوية مثل جزيرة ميون (بريم).

هذا التهديد المزدوج يضع الصين أمام كابوس اقتصادي؛ فإذا كان مضيق هرمز هو البوابة الأساسية لصادرات النفط الخليجي، فإن باب المندب يمثل الرابط المباشر لقناة السويس والبحر المتوسط، وأي تعطيل دائم فيهما يرفع أسعار الشحن والتأمين ويهدد الأمن القومي للبلدان المستوردة للنفط في مقدمتها الصين.

أوراق الضغط الصينية وحدود النفوذ على طهران

تعتمد الصين على ثقلها الاقتصادي المباشر للتأثير في القادة الإيرانيين، حيث تتلخص معطيات هذه العلاقة في التالي:

الهيمنة على صادرات النفط: تشتري الصين أكثر من 80% من إجمالي صادرات النفط الإيراني المنقول بحراً (بمتوسط 1.4 مليون برميل يومياً).

الغطاء السياسي والاستثماري: تقدم بكين شريان حياة اقتصادياً وسياسياً لطهران في مواجهة العقوبات الغربية.

ومع ذلك، تواجه هذه الضغوط عقبات واقعية؛ إذ تربط طهران أي تهدئة شاملة بوقف الحرب الإقليمية الواسعة، فضلاً عن وجود تساؤلات حول مدى استجابة القرار العسكري للحوثيين للضغوط الخارجية حينما يتعلق الأمر بفرض شروط جديدة على الأرض.

القوة الناعمة للاقتصاد: اختبار حقيقي للوساطة الصينية

بعد نجاح بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لإعادة العلاقات بين الرياض وطهران عام 2023، أصبحت أزمة باب المندب الاختبار الأصعب لدورها كلاعب دولي قادر على إدارة الأزمات؛ فالأمر يتعدى تقريب وجهات النظر بين دول إلى كبح جماح الفصائل المسلحة داخل حروب مفتوحة.

لا تعني هذه التحركات رغبة الصين في الانخراط العسكري المباشر في البحر الأحمر، بل تعكس محاولة جادة لاستغلال أوراقها الاقتصادية والدبلوماسية لتفادي أزمة تدفع فيها الشراكات الدولية والأسواق العالمية ثمناً باهظاً.