تتحول العاصمة المؤقتة عدن مع كل صيف جديد إلى محطة تراجيدية متكررة الفصول، حيث تتقاطع حرارة الطقس المفرطة مع برودة أداء المسؤولين وتراخيهم المزمن. تعيش المدينة وضعاً معيشياً واقتصادياً وخدمياً وصل إلى ما تحت الصفر، وسط انعدام شبه تام لأبسط مقومات الحياة الكريمة من مياه وكهرباء وغاز منزلي. فبينما تتصاعد أصوات الأنين الشعبي تحت وطأة الاختناقات المعيشية الحادة، تكتفي الجهات الرسمية والقيادات المتعاقبة بإطلاق وعود عرقوبية وحلول ترقيعية مؤقتة، أشبه بمسكنات لا تعالج الداء بل تزيد من تفاقمه.
تعود المشاكل لتطل برأسها مجدداً وبشراسة أكبر فور انقضاء الضجة الإعلامية، وكأن هناك إرادة خفية أو عجزاً مطبقاً يمنع وضع استراتيجيات جذرية ومستدامة.
في هذا الاستطلاع، نسلط الضوء على واقع هذه المعاناة المستمرة عبر نقل أصوات المواطنين المكتوين بنار الأزمات، لنكشف الفجوة الساحقة بين رفاهية المسؤولين وبؤس الشارع العدني.
نعيش على حافة الانهيار النفسي والمادي
المواطن أبو محمد (أب لأسرة من خمسة أفراد) قال:
"الوضع لم يعد يحتمل إطلاقاً؛ فالكهرباء تنقطع لأكثر من ثماني ساعات متواصلة مقابل ساعتي تشغيل بالكاد تقياننا حر الإشعاع الشمعي والرطوبة القاتلة. وإذا أردنا إعداد وجبة طعام، ندخل في دوامة البحث عن أسطوانة غاز تتبخر في السوق السوداء.
المسؤولون يعيشون في كواكب أخرى، مكيفاتهم لا تتوقف ومولداتهم الخاصة تضج بالوقود، بينما أطفالنا ينامون في العراء والظلام يلتهم أحلامهم. أنصاف الحلول التي يقدمونها لا تعدو كونها مهدئات تخدع الرأي العام لفترة قصيرة لتعود الأزمات أشد فتكاً من ذي قبل."
حالة تبلد إداري وفجوة عميقة بين الطبقة الحاكمة والشعب
الدكتورة مريم حسن (أستاذة علم الاجتماع) قال:"ما يحدث في عدن ليس مجرد أزمة خدمات عابرة، بل هو انهيار ممنهج للبنية الاجتماعية والنفسية للمواطن. القيادات المسؤولة تتعامل مع الأزمات بمنطق إدارة الأزمة وليس حلها، لأن حل المشاكل جذرياً قد يقطع عليهم مصادر الانتفاع من بقاء الوضع الرمادي. عندما تفتقر القيادة إلى الإرادة السياسية والكفاءة الإدارية، تصبح الحلول الترقيعية هي السلاح الوحيد لامتصاص الغضب الشعبي المؤقت. الشعب اليوم وصل إلى مرحلة اليأس من الوعود الكاذبة، وباتت الفجوة بين الشارع والمسؤولين واسعة لدرجة استحالة ردمها بالطرق التقليدية."
الفساد والمصالح الضيقة تعطل أي حل حقيقي للكهرباء
المهندس سالم العولقي (فني قطاع طاقة) قال: "مشكلة الكهرباء في عدن فنية بنسبة عشرين بالمئة، وسياسية وفسادية بنسبة ثمانين بالمئة. تتوفر دائماً أموال ومنح وقود إسعافية، لكنها تتبخر في صفقات مشبوهة وعقود وهمية لشراء طاقة مأجورة مكلفة ومهلكة لخزينة الدولة بدلاً من إنشاء محطات استراتيجية. المسؤولون يرفضون الحلول الجذرية كصيانة المحطات القائمة أو التحول للطاقة المتجددة، لأن الحلول المؤقتة تفتح أبواباً أوسع للسمسرة والعمولات. كل صيف نشهد نفس المسرحية البائسة: وصول شحنة إسعافية، تصريحات رنانة، ثم علامات الظلام والانهيار."
الغاز والمياه أساطير تحكيها الجدات في زمن الطابور الطويل
أمينة محمد (ربة منزل) قالت :
"الحصول على قطرة ماء صالحة للشرب أو أسطوانة غاز أصبح بمثابة رحلة عذاب يومية تستنزف الوقت والجهد والمال القليل الذي نمتلكه. المياه تصلنا مرة كل أسبوعين في أفضل الأحوال، ونضطر لشراء الوايتات بأسعار خيالية تكبّدنا ديوناً فوق ديوننا. أما الغاز، فنقضي الساعات الطوال تحت أشعة الشمس الحارقة أمام مراكز التوزيع دون جدوى، لنفاجأ بأن الحصص تختفي وتظهر في السوق السوداء بأضعاف مضاعفة. المسؤولون لا يشعرون بهذه التفاصيل اليومية لأنهم يحصلون على كل شيء بلمسة زر وبأموال الشعب."
سياسة التخدير الموضعي لجسم ميت أصلاً
الكاتب الصحفي أحمد سعيد قال: "المسؤولون في عدن يمارسون فن الهروب إلى الأمام بامتياز؛ فحين تحتدم الأزمات، يخرجون علينا بحلول مستهلكة وتوجيهات عاجلة حبر على ورق، تهدف فقط إلى شراء الوقت وتنويه الغضب العام. إنهم يدركون تماماً أن أي حل حقيقي سيسحب من تحت أقدامهم امتيازات البقاء في السلطة دون إنجاز. ولهذا، يظلون يدورون في فلك أنصاف الحلول، وكأنهم يضعون لاصق جروح على نزيف شرياني عميق. المواطنون اليوم لا يريدون وعوداً جديدة، بل يريدون شجاعة حقيقية لقرار استئصال الفساد والتقصير المستشري في مفاصل الدولة."
الختام:
في النهاية، يبدو أن على المواطن العدني أن يتقدم بالشكر الجزيل لقياداته الرشيدة لأنها توفر له مجاناً حمامات تركية طبيعية بلا عناء وبفضل الرطوبة وانقطاع الكهرباء، وأن يمتن لذكائهم الحاد في ابتكار طراز فريد من "الرجيم القسري" الناتج عن غياب الغاز وارتفاع الأسعار. فلا داعي للقلق أيها الشعب الصابر، فمسؤولوكم مشغولون جداً.. ليس بحل مشاكلكم بالطبع، بل بوضع اللمسات الأخيرة على خططهم السنوية المبتكرة لـ "كيفية تحويل الصيف إلى جحيم ممتع بأقل تكلفة حكومية ممكنة"!