في واحدة من أبشع صور توظيف المعاناة الإنسانية كأداة حرب، وتحت وطأة مجاعة مستشرية، تُحكم مليشيا الحوثي الإرهابية قبضتها على الأسر اليمنية القابعة في مناطق سيطرتها. ولم تعد لقمة العيش المغموسة بالدم مجرد تعبير مجازي، بل تحولت إلى سياسة حوثية ممنهجة.
وتكشف شهادات ميدانية متطابقة وإحصاءات حقوقية حديثة عن ارتكاب المليشيا جرائم ابتزاز وحشية ضد العائلات الأشد فقراً، لا سيما أسر قتلاها، عبر اشتراط إرسال الأطفال والقاصرين إلى جبهات القتال، مقابل الحصول على السلال الغذائية والمساعدات التموينية المنقذة للحياة.
هندسة الجوع
مع تجدد التصعيد العسكري وشح المخزون البشري الحوثي نتيجة الخسائر الفادحة، أسست المليشيا عبر ما يسمى "المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية" منظومة دقيقة لسرقة المساعدات الأممية وتحويلها إلى سلاح للضغط والمساومة.
وتفيد تقارير ميدانية بأن المشرفين الحوثيين في المربعات السكنية والمحافظات الخاضعة لسيطرتهم (مثل صنعاء، عمران، حجة، ذمار وإب) يقومون بشطب أسر القتلى والمعوزين من كشوف الإغاثة الدورية بشكل تعسفي. ولا يُعاد إدراج هذه الأسر إلا في حال تقديم فدية بشرية، تتمثل في تسليم طفل من العائلة لا يتجاوز عمره في كثير من الأحيان الـ12 عاماً، ليلتحق بالمعسكرات التدريبية وجبهات الموت.
المدارس والمراكز الصيفية.. مصائد غسل الأدمغة والتحشيد
لم تقتصر المساومة على التهديد بقطع الإغاثة، بل امتدت لتشمل اختطاف الطفولة وتفخيخها عبر مسارات غسل أدمغة ممنهجة.
وتُعد المراكز الصيفية والمدارس المحوّرة حوثياً المصيدة الأولى لاستدراج القاصرين. وهناك، يتم عزل الأطفال وتلقينهم أدبيات العنف وتدريبهم على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
وتشير تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" ووكالات الأنباء الدولية إلى أن المليشيا استغلت الأحداث الإقليمية لتكثيف وتيرة التجنيد تحت شعارات خداعية.
ويتم إقناع الأطفال بأن طريق النجاة يمر عبر طاعة القيادة الحوثية والتوجه إلى المتارس، مستغلين الجهل والأوضاع المعيشية المنهارة لعائلاتهم.
إحصاءات دامغة
تتطابق الأرقام الصادرة عن الهيئات الدولية والشبكات الحقوقية المحلية لتؤكد أن ما يحدث في اليمن هو "جريمة إبادة جماعية صامتة للطفولة"..
حيث وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في تقريرها الميداني الأحدث، ارتكاب المليشيا أكثر من 36,179 واقعة انتهاك وجريمة بحق الأطفال في اليمن.
وأكدت التقارير الحقوقية أن عدد الأطفال الذين جندتهم المليشيا وزجت بهم في صفوفها تجاوز 42,000 طفل، فيما وثقت منظمات بالأسماء آلاف الحالات الموثقة لقاصرين دون السن القانونية.
كما وثقت تقارير سابقة لخبراء الأمم المتحدة مقتل قرابة 2,000 طفل مجند في فترات قصيرة ومحصورة من المواجهات، في حين تؤكد المصادر المحلية أن الأرقام الفعلية أضعاف ما يتم إعلانه بسبب تكتم المليشيا ودفن الضحايا سراً.
المقايضة بالدم.. أسر القتلى في دائرة الاستهداف الثاني
تتعرض عائلات عناصر الحوثي الذين قُتلوا في الجبهات لانتهاكات مضاعفة؛ فبعد أن تفقد هذه الأسر معيلها الأول في معارك المليشيا، تجد نفسها مجدداً تحت مقصلة الابتزاز، حيث يُساوم المشرفون الحوثيون الأمهات والأرامل قائلين: "لا سلال غذائية، ولا رواتب كفالة، إلا بإرسال الابن الآخر ليحل محل أبيه أو أخيه الراحل". وتحت وطأة الجوع وسوء التغذية الحاد المتفشي في مناطق السيطرة الحوثية، تضطر بعض الأسر للاستسلام لهذا الابتزاز المذل لإنقاذ بقية أفرادها من الموت جوعاً.
إدانة دولية وجرائم حرب لا تسقط بالتقادم
تُصنّف المعاهدات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها الاختيارية ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تجنيد الأطفال دون سن الـ15 كـ"جريمة حرب" مكتملة الأركان.
إن استخدام المليشيا الحرمان الاقتصادي والتجويع المتعمد كوسيلة لرفد الجبهات يعري تماماً شعاراتها المضللة، ويكشف عن نهج عصابات مجرد من أي قيم إنسانية أو أخلاقية؛ نهج يرى في أطفال اليمن مجرد وقود رخيص لإطالة أمد مشروعها السلالي وتدمير حاضر اليمن ومستقبله.