24 سبتمبر 2026 14:49 مساء | آخر تحديث: 24 سبتمبر 15:14 2026
كوستاس ديليجيانيس، رئيس أسواق النمو الأورو بية الآسيوية والأفريقية في جي إي هيلث كير
الخلاصةسياسات الإمارات الاستباقية تبني رعاية صحية مستقبلية بالبيانات والذكاء الاصطناعي وتوحيد السجلات وتنمية الكوادر ودعم الجينوم والابتكار
تعد الرعاية الصحية من بين الأمور التي توليها الإمارات أهمية كبرى، فبالنسبة لدولة تتطلع إلى المستقبل، يشكل تصنيفها ضمن أفضل عشر دول عالمياً في جودة الرعاية الصحية ركيزة أساسية ضمن رؤيتها «نحن الإمارات 2031».
وتدرك الإمارات أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تجاوز مجرد التحول الرقمي، الدولة سباقة وملتزمه بإنشاء نظام أكثر قدرة على التنبؤ، وأكثر تخصيصاً، ويدعم تقديم الرعاية الصحية القائمة على البيانات. ويُشكل تزايد الأمراض غير المعدية، ولا سيما السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، تحدياً كبيراً للصحة العامة في الإمارات، حيث تُمثل 55% من إجمالي الوفيات سنوياً، بكلفة تُقدر بنحو 39.9 مليار درهم سنوياً.
وتتطلب الوقاية من الأمراض غير المعدية والكشف عنها وإدارتها ومراقبتها استراتيجيات صحية مبتكرة وذكية ومتكاملة للغاية. وبناءً على ذلك، تعمل الإمارات على تعزيز قدراتها في مجال الابتكار الرقمي لتحسين النتائج في جميع مراحل الرعاية الصحية ودعم الانتقال إلى أنماط حياة أكثر صحة واستدامة.
لذا، نشهد توسعاً في الرعاية الوقائية، والتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وخدمات التطبيب عن بُعد الرقمية، وغيرها، بما يتماشى مع مئوية الإمارات 2071 لتطوير البنية التحتية والخبرات والخدمات التي تضاهي أعلى المعايير الدولية. وانطلاقاً من هدفها النهائي المتمثل في تحسين الممارسات الصحية، ينصبّ التركيز هنا على ضمان مساهمة التكنولوجيا في تعزيز الوقاية، ودعم تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، وتحقيق نتائج صحية ملموسة.
منظومة مرنة
انطلاقاً من هذه الرؤية الوطنية الطموحة، تعمل الإمارات بفعالية على بناء منظومة للرعاية الصحية وعلوم الحياة تتسم بالمرونة، وتقوم على الابتكار، ومتصلة عالمياً. وتعتبر البيانات هنا رصيداً استراتيجياً، فقد ساهمت السياسات التي تشجع على اعتماد السجلات الصحية الإلكترونية، وتطوير أطر التطبيب عن بُعد، واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة، مثل استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، في تسريع التحول نحو الرعاية الصحية المتصلة بمنصات تبادل المعلومات الصحية.
وتشكل السجلات الصحية الإلكترونية ركيزة أساسية لأنظمة الرعاية الصحية الرقمية، وقد حققت الإمارات هذا الإنجاز في عام 2023 من خلال دمج ثلاث منصات للمعلومات الصحية بنجاح، هي: «رعايتي»، و«ملفّي» (أبوظبي)، و«نابض» (دبي)، وذلك ضمن مبادرة الملف الوطني الصحي الموحد. تقوم هذه المبادرة بربط سجلات المرضى من أكثر من 3000 مرفق من مرافق الرعاية الصحية في الإمارات، بما في ذلك المستشفيات الحكومية والخاصة، والعيادات، ومراكز الرعاية، ومراكز التشخيص، بما يتيح سهولة الوصول إلى أكثر من 6.4 مليون سجل طبي موحد للمرضى، يمكن لأكثر من 19000 طبيب الوصول إليها، ما يضمن نتائج صحية أفضل، حيث تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات في توفير رؤى تنبئية ومعلومات آنية، وتُحسّن تقديم الخدمات الصحية وصحة السكان.
ولا شك أن هذه المسارات السريرية القائمة على البيانات تتيح فرصاً هائلة لمقدمي الرعاية الصحية وشركاء التكنولوجيا على حدٍ سواء. ويساهم التزام الإمارات الراسخ ببناء هذه المنظومة في تمكين جميع الجهات والأطراف المعنية من تبني حلول متطورة بكل ثقة، مثل التصوير المدعوم بالذكاء الاصطناعي وتقنيات المستشفيات الذكية، بهدف إحداث نقلة نوعية في تقديم الرعاية الصحية. كما يعزز المشهد التنظيمي المتطور رؤيةً واضحةً وموحدة، بما يُهيئ بيئة جاذبة ومستقرة للقطاعين العام والخاص لمواءمة استثماراتهما وتطوير منظومة مبتكرة وذكية للرعاية الصحية.
ركيزتان
تعزيزاً لهذه البيئة التعاونية، تدرك الإمارات أن استدامة المنظومة في واقع الأمر تقوم على ركيزتين أساسيتين هما: رأس المال البشري والابتكار العلمي. لذا، تعمل الدولة بشكل استباقي على تنمية كوادر محلية بمستويات عالمية للرعاية الصحية، وتزويدها بالمهارات اللازمة للنجاح في نظام قائم على البيانات، وذلك من خلال ضخ استثمارات استراتيجية في التعليم الطبي وعقد شراكات مع مؤسسات عالمية رائدة. ويسهم هذا الالتزام في تعزيز الزخم في قطاع علوم الحياة والتكنولوجيا، وخلق قاعدة متنامية من المواهب القادرة على ريادة آفاق الطب المستقبلية وتعزيز الخبرات السريرية في التخصصات الحيوية.
ومن خلال سياسات تدعم بفعالية مبادرات تسلسل الجينوم، مثل برنامج الجينوم الإماراتي، وإنشاء تجمعات علوم الحياة التي تعزز التعاون والابتكار في مجالات أبحاث التكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الطبية، وتصنيع الأدوية الحيوية، ترسخ الدولة مكانتها مركزاً للاكتشافات الطبية، وتسهل سرعة تبني التشخيصات والعلاجات المتقدمة. هذا الالتزام المزدوج تجاه الإنسان والبحث العلمي أمر ضروري لفتح آفاق مستقبل الرعاية الصحية الشخصية عالية التخصص.
نموذج ملهم
يقدم التحوّل في قطاع الرعاية الصحية في الإمارات نموذجاً قوياً للابتكار الصحي الوطني، بما يؤكد على ما يمكن تحقيقه عندما تجد الرؤية الواضحة الدعم اللازم من خلال سياسة مدروسة طويلة الأمد. كما يقدم نموذجاً ملهماً للمنطقة بأسرها لتمهيد الطريق لعصر جديد من الطب التنبئي والشخصي القائم على البيانات. ويثبت التزام الإمارات في هذا الشأن أنه عندما تُدمج الحكومة سياسة الرعاية الصحية في الخطط الوطنية، فإن التحوّل في الرعاية الصحية ليس مُمكناً فحسب، بل حتمي.