أنجز المستشار القانوني والباحث اليمني مختار راجح مشروعًا علميًا وقانونيًا واسعًا تمثل في إعداد الموسوعة القانونية والقضائية الشاملة، إلى جانب عدد من الدراسات والأبحاث المتخصصة في قانون المرافعات والخصومة القضائية، في مشروع بحثي يسعى إلى تقديم أدوات ونظريات قانونية تساعد القضاة والمحامين والباحثين وطلاب القانون على فهم الخصومة القضائية والتعامل معها بصورة أكثر دقة، بما يسهم في الوصول إلى الفصل في القضايا بصورة أكثر سرعة وتنظيمًا.
ويأتي هذا المشروع ثمرة مسيرة بحثية متخصصة للباحث مختار راجح، الذي جعل من قانون المرافعات والخصومة القضائية محورًا رئيسيًا في دراساته، وصولًا إلى تأسيس ما يقدمه الباحث باعتباره النظرية العامة للخصومة القضائية، والعمل على تطوير مجموعة من التصورات والنظريات التي تتناول حركة الخصومة وتحولاتها وعلاقتها بالطلب والسبب والاختصاص والحجية والقوة التنفيذية للأحكام.
موسوعة تتجاوز الشرح إلى التأصيل والتحليل
ولا تقتصر الموسوعة التي أعدها المستشار مختار راجح على جمع النصوص القانونية أو عرض مواد القوانين، وإنما تقوم، بحسب مشروعه البحثي، على شرح وتأصيل وتحليل القواعد القانونية وربطها بالتطبيق القضائي، بما يجعلها مشروعًا مرجعيًا يستهدف مختلف فروع القانون العام والخاص.
وفي مجال القانون العام، يتناول المشروع القانون الدستوري من حيث مبدأ التقاضي على درجتين، وحق الدفاع، واستقلال القضاء، وحدود سلطة الدولة في تنظيم الاختصاص، كما يتناول القانون الجنائي العام والخاص من خلال بحث التحول في الواقعة الجنائية والوصف والاتهام وقرار الإحالة وسلطة النيابة والمحكمة الجنائية.
كما يتناول القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري وأثر تحول القرار الإداري على الخصومة، إلى جانب قانون الإجراءات الجزائية، من خلال تحليل مراحل جمع الاستدلالات والتحقيق والمحاكمة وطرق الطعن، وربطها بمفهوم التحول الإجرائي.
وفي نطاق القانون الخاص، تمتد الموسوعة إلى القانون المدني، وقانون المرافعات، والقانون التجاري، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون التنفيذ، والقانون الدولي الخاص، مع تناول المسائل المرتبطة بالواقعة المنشئة للحق، والطلبات والدفوع، والتكييف، والبطلان والانعدام، وحجية الأحكام، والقوة التنفيذية، والاختصاص، وتنازع القوانين والاختصاص في العلاقات ذات العنصر الأجنبي.
ثماني نظريات علمية تحمل اسم الباحث
ومن أبرز ما يقدمه المشروع البحثي للمستشار مختار راجح ثماني نظريات علمية مسجلة باسم الباحث عربيًا، تتمحور حول الخصومة القضائية وتحولاتها، وتتناول جوانب دقيقة من العملية القضائية والإجرائية.
وتأتي في مقدمتها نظرية التحول الإجرائي في الخصومة القضائية، التي يقدمها الباحث باعتبارها النظرية الأم، وتنطلق من أن الخصومة ليست كيانًا جامدًا، وإنما عملية متحركة قد تطرأ عليها تحولات، مع وضع معايير لتمييز التحول المنشئ عن غيره، من خلال وحدة الواقعة وصلتها بالتحول، مع احترام حق الدفاع والاختصاص.
وتليها نظرية التكييف الإجرائي للخصومة، التي تفرق بين دور الخصم في تحديد الواقعة والطلب، ودور القاضي في تحديد حكم القانون، على أساس أن التكييف يغيّر الوصف القانوني ولا ينشئ واقعة جديدة.
كما يطرح الباحث نظرية وحدة الخصومة القضائية القائمة على ستة أركان، هي: وحدة الواقعة الجوهرية، ووحدة الطلب، ووحدة السبب، ووحدة المركز الإجرائي، ووحدة المواجهة، ووحدة المحل الذي فصل فيه الحكم.
ويقدم كذلك نظرية وحدة الطلب القضائي ومعيار تحوله، التي تنطلق من أن العبرة بحقيقة الطلب وآثاره وليس بمجرد تسميته، وفق معايير تتصل ببقاء الواقعة المنشئة، وارتباط المحل، واتصال الغاية، وقدرة الخصم على الدفاع، وعدم تغير الاختصاص.
أما نظرية السبب المتحول فتقسم السبب إلى أربعة أنواع: التفسيري، والتكميلي، والمتحول، والمستقل، مع التأكيد على أن وحدة الطلب لا تكفي وحدها متى طرأ تغير جوهري على السبب الواقعي.
ويبحث الباحث كذلك نظرية الاختصاص المتحول وأثر التحول فيه، من خلال التمييز بين التحول الذي لا يمس الاختصاص، والتحول الذي يكشف عدم الاختصاص، والتحول الذي ينشئ مسألة اختصاص جديدة، انطلاقًا من أن الاختصاص يتحدد بالعناصر القانونية وليس بمجرد المسميات.
وتتناول نظرية الحجية المتحركة للحكم القضائي نطاق الحجية في ضوء الواقعة التي فصل فيها الحكم ونطاق المواجهة بين الخصوم، مع التمييز بين التحول في الأسباب والتحول الذي يمتد أثره إلى المنطوق أو ينشئ محلًا جديدًا.
وتختتم النظريات بـ نظرية القوة التنفيذية المستقلة، التي تبحث استقلال القوة التنفيذية عن الحجية، وتؤكد أن تغير التكييف، متى لم يمس منطوق الحكم، لا يؤدي بذاته إلى تغيير نطاق التنفيذ، وأن جهة التنفيذ لا تملك إعادة محاكمة الخصومة أو تحويل مرحلة التنفيذ إلى محاكمة جديدة.
35 مجلدًا ورسالتا ماجستير ودكتوراه
ويتوج هذا المشروع العلمي الموسوعة القضائية الشاملة في 35 مجلدًا، التي تتناول مجموعة واسعة من القوانين اليمنية العامة والخاصة، إلى جانب رسالة ماجستير بعنوان «التكييف الإجرائي للخصومة» في 26 بابًا، ورسالة دكتوراه بعنوان «نظرية التحول الإجرائي» في ستة أبواب، وتتضمن النظريات الثمان التي يقدمها الباحث ضمن مشروعه العلمي.
ويقوم المشروع، في أحد أبرز أهدافه، على البحث عن أساليب علمية جديدة يمكن أن تعين القضاء والنيابات والمحامين وأطراف الخصومة على الوصول إلى الفصل في القضايا بصورة أسرع، من خلال ضبط مفاهيم الطلب والسبب والتكييف والاختصاص والحجية والتنفيذ، وتقليل مواطن الالتباس التي قد تنشأ أثناء سير الخصومة القضائية.
قواعد ذهبية يؤسس عليها الباحث مشروعه
ويضع المستشار مختار راجح مجموعة من القواعد التي يصفها بأنها قواعد ذهبية لمشروعه البحثي، من أبرزها:
لا جمود على التسمية، ولا إطلاق لسلطة تغيير الواقعة.
جِدّة الوسيلة لا تعني جِدّة الخصومة.
القاضي حر في التكييف، ومقيّد في محل القضاء.
لا تحول مشروع دون مواجهة حقيقية.
القضاء حسب السبب، لا حسب تسمية الدعوى.
علمٌ يُهدى إلى أهل العدالة والمعرفة
ويؤكد الباحث مختار راجح أن الغاية من هذا الجهد لا تقف عند حدود تسجيل النظريات أو إنجاز المؤلفات، وإنما تتجه إلى جعل المعرفة القانونية أداة عملية في خدمة العدالة؛ ولذلك يهدي النظريات الثمان التي تحمل اسمه إلى كل قاضٍ ومحامٍ وطالب علم وباحث في المجال القانوني، آملًا أن تكون عونًا لهم في فهم الخصومة واختصار مساراتها والوصول إلى معالجة أكثر وضوحًا للمسائل الإجرائية.
ويحمل المشروع في جوهره رؤية تتجاوز التأليف إلى بناء معرفة قانونية قابلة للاستخدام في الواقع العملي، بحيث تجد فيها مؤسسات الدولة، ووزاراتها، وأجهزتها القانونية، والجهات العدلية والأكاديمية، والباحثون والمختصون، مادة علمية تجمع بين النص والتأصيل والتحليل والتطبيق.
مشروع علمي بروح وطنية
ولعل أكثر ما يميز هذا المشروع أن صاحبه لا يقدمه باعتباره إنجازًا شخصيًا فحسب، بل باعتباره ثمرة رحلة من البحث ارتبطت بحب الوطن والرغبة في تقديم علم نافع له؛ فالنظريات التي حملت اسم الباحث لم تكن، في رؤيته، غاية للاسم بقدر ما كانت وسيلة لإضافة لبنة جديدة إلى صرح المعرفة القانونية.
إنها محاولة لأن يتحول البحث القانوني من صفحات تحفظ في المكتبات إلى أدوات تساعد رجل العدالة في عمله، والباحث في دراسته، والمحامي في مرافعته، والقاضي في مهمته، وطالب القانون في مسيرته العلمية.
ومن هذا المنطلق، يضع المستشار مختار راجح خلاصة تجربته البحثية بين أيدي أهل القانون، مؤمنًا بأن العلم الذي لا يخدم الإنسان والمجتمع يبقى ناقص الأثر، وأن أعظم قيمة للمعرفة أن تتحول إلى منفعة عامة.
فالموسوعة، بما تحمله من مؤلفات ودراسات ونظريات، ليست مجرد حصيلة سنوات من البحث والتأليف، بل مشروع علمي يطمح صاحبه إلى أن يترك أثرًا في مسار المعرفة القانونية اليمنية والعربية، وأن تكون صفحاته عونًا لأهل القضاء والمحاماة والبحث العلمي، وجسرًا يصل بين النص القانوني والتطبيق القضائي، وبين المعرفة النظرية وحاجة الواقع إلى عدالة أكثر وضوحًا وسرعة وكفاءة.
إنه جهد باحث يرى أن حب الوطن يمكن أن يتحول إلى علم، وأن العلم يمكن أن يتحول إلى خدمة، وأن خدمة العدالة واحدة من أسمى صور خدمة الوطن.