قبل 48 ساعة فقط من انبلاج فجر السادس والعشرين من سبتمبر، تعيش المدن والمحافظات اليمنية على وقع حراك وطني غير مسبوق واستعدادات شعبية متسارعة لاستقبال العيد الوطني الرابع والستين لثورة 26 سبتمبر المجيدة (1962).
ويترقب اليمنيون في الداخل والخارج ساعة الصفر لإيقاد شعلة الثورة الأم، في محطة استثنائية يستلهمون منها قيم الحرية والمواطنة المتساوية، مؤكدين التمسك المطلق بالنظام الجمهوري كخيار وجودي وصمام أمان وحيد لإنقاذ البلاد وصناعة المستقبل.
ولم تعد هذه المناسبة المرتبطة بيوم السبت المقبل مجرد ذكرى عابرة في قواميس التاريخ، بل تحولت في وجدان العامّة إلى معركة وعي وتظاهرة تحدٍ تعكس عمق الالتفاف الشعبي حول الهوية السبتمبرية الأصيلة ورفض كل أشكال الاستبداد والكهنوت والعودة بالبلاد إلى عقود العزلة والتخلف.
حلة سبتمبرية تزين الميادين
مع اقتراب ساعة الصفر للاحتفال، تحولت شوارع المدن اليمنية، لا سيما في مأرب وتعز ومناطق ريفية عدة، إلى ورش عمل دؤوبة لتجهيز الساحات والميادين العامة.
وامتدت مظاهر الاحتفاء الاستباقي لتشمل تزيين الشوارع الرئيسة، والمنشآت الحكومية، والمنازل بالعلم الوطني والأضواء السبتمبرية بالثلاثة الألوان للعلم اليمني.
وشهدت أسواق الملابس والمكتبات إقبالاً قياسياً من المواطنين لشراء الأعلام الوطنية والشعارات السبتمبرية، وسط مبادرات شبابية ذاتية لتوزيع الأعلام على المركبات والمحلات التجارية تعبيراً عن التلاحم الوجداني.
بالتوازي مع هذا الحماس الشعبي، بادرت المدارس والجامعات إلى تدشين فعاليات ثقافية مبكرة وإذاعات مدرسية موحدة تركز على غرس مبادئ سبتمبر في نفوس النشء والأجيال الصاعدة، لتعريفهم بالتضحيات الجسيمة التي قدمها الآباء والأجداد لطرد الحكم الإمامي الكهنوتي البائد وتأسيس مداميك الجمهورية.
ودعا ناشطون وإعلاميون أبناء اليمن إلى الاحتفاء بهذا اليوم المجيد، والمشاركة الفاعلة في الكرنفالات الجماهيرية وأي عروض كشفية مرتقبة لتجوب الشوارع حاملةً المشاعل والشعارات المجددة للعهد الوطني.
وتشير المصادر الميدانية إلى أن اللجان المنظمة للاحتفالات وضعت اللمسات الأخيرة على خطط العروض العسكرية والشبابية، حيث يُتوقع أن تشهد ليلة الجمعة عرضاً كشفياً مهيباً يشارك فيه مئات الشباب لتمهيد الطريق نحو الحفل المركزي الكبير صباح السبت.
واحدية النضال.. ترقب سبتمبري يمهد الطريق لوهج 14 أكتوبر
لا يمكن قراءة دلالات الترقب الشعبي للعيد الـ64 لثورة سبتمبر بمعزل عن الترابط العضوي مع الحركة الوطنية ككل. فالاستعدادات الحالية لـ26 سبتمبر تعد بمثابة حجر الأساس والعمق الاستراتيجي الذي يستند إليه اليمنيون لتجديد عهد الوفاء لأهداف الثورة، وهو ما يمهد الطريق مباشرة للاحتفاء اللاحق بثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن.
ويمثل الامتزاج التاريخي لدماء المناضلين من شمال الوطن وجنوبه في خنادق الدفاع عن النظام الجمهوري، أمثال الشهيد علي عبد المغني والشهيد راجح لبوزة، ركيزة أساسية يستحضرها الأكاديميون والمحللون اليوم تأكيداً على أن اليمن جسد واحد، وأن طموح الانعتاق من قيود الظلم والاستعمار كان ولا يزال هدفاً سامياً يجمع اليمنيين تحت راية واحدة لا تقبل التجزئة.
الثورة في عيون الشعراء والمنصات الرقمية
لم تكن ثورة 26 سبتمبر مجرد حركة عسكرية عابرة لتغيير نظام الحكم، بل كانت ثورة فكرية وثقافية شاملة واكبها الفن والأدب اليمني بكل وهجها.
وفي هذه الأيام الاستباقية، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات احتفال رقمية، حيث وشح ملايين اليمنيين حساباتهم بالألوان الثلاثة للعلم اليمني، والشعارات والعبارات الوطنية السبتمبرية، مستعيدين الإرث الإنساني والشعري الكبير الذي تركه شعراء الثورة وعلى رأسهم شاعر اليمن الكبير عبد الله البردوني، الذي صدح صبيحة يوم الثورة بأبياته الخالدة:
أفقنا على فجر يوم صبي .. فيا ضحوات المنى أطربي
أتدريـن، يا شمس ماذا جرى؟ .. سلبنا الدجى فجرنا المختبي!
هذه الكلمات التي يُعاد نشرها وبثها عبر المقاطع المرئية والأناشيد الوطنية قبل يومين من العيد تذكر الجميع بأن فجر سبتمبر الذي انبلج قبل أربعة وستين عاماً سيبقى متقداً في النفوس، ولن تفلح أي قوة في إعادة اليمن إلى سراديب الظلام المعتمة.