أخبار محلية

رحيلُ طَوْدِ ردفان وأَسَدِ المتارِس

عدن الغد- أخبار المحافظات 25/09/2026 22:14 315 مشاهدة
رحيلُ طَوْدِ ردفان وأَسَدِ المتارِس

ردفانُ التضحية، ردفانُ الفداء، ردفانُ الكرامة والشهامة والرجولة…

من أرضٍ عرفت معنى البطولة، ومن جبالٍ لم تنحنِ إلا لله، ومن وديانٍ احتضنت الثوار والمناضلين، رحل فارسٌ من فرسانها، وترجّل بطلٌ من أبطالها؛ رحل الشهيد البطل القائد بكيل فضل صالح الحافي الردفاني، بعد أن أمضى حياته واقفاً في صف الوطن، حاملاً راية العزة، وماضياً في دربٍ اختاره لنفسه دون تردد.

ترجّل الفارسُ المقدام، وغاب عن دنيانا رجلٌ كان للنخوة عنواناً، وللمروءة مثالاً، وللشهامة سيرةً تُروى.

غاب ذلك الوجه البشوش، صاحب الابتسامة الآسرة واللسان العذب، الذي جمع في شخصيته بين أُنس المجالس وبأس المتاريس، وبين لين المعشر وصلابة الموقف، وبين كرم الأخلاق وشجاعة الرجال.

كان القائد بكيل، رحمه الله، رجلاً لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتعرف معدنه؛ يكفي أن تجالسه لتلمس طيبته، وأن تراه في الميدان لتدرك شجاعته. كان من أولئك الرجال الذين لا يكتفون بالحديث عن الرجولة، بل يجعلون منها سلوكاً وموقفاً وتضحية.

ينحدر بطلنا من أعماق التاريخ النضالي لقبيلة الحافي العريقة في ردفان الثورة، من وادي بجير الأشم؛ ذلك الوادي الذي ارتبط اسمه بصفحات مشرقة من تاريخ الثورة والنضال، والذي كان موطناً للمناضلين الأحرار ومعقلاً للرجال الذين حملوا راية الكرامة.

وفي تلك البيئة التي تتنفس العزة وتروي حكايات الأبطال، نشأ بكيل، وتشرب منذ صغره معاني الشرف والكرامة والإباء. كبر جسده، وكبرت معه همته، وكبر الوطن في قلبه حتى أصبح الدفاع عنه بالنسبة إليه واجباً لا يُؤجَّل، وعهداً لا يُنكث، وطريقاً لا رجعة عنه.

وحين نادى الوطن أبناءه، لم يكن بكيل ابو راجح ممن يتأخرون عن النداء؛ بل كان في مقدمة الصفوف. ففي عام 2015م، وقف في وجه الغزو الحوثي للجنوب، وسطر مع رفاقه أروع صفحات الصمود في جبهة نخيلة ببلة، ضمن صفوف المقاومة، مقدماً صورةً صادقة للرجل الذي يرى في الدفاع عن أرضه وكرامة أهله مسؤولية لا تقبل المساومة.

وبعد تحرير الجنوب، لم يعرف طريقه إلى الراحة، ولم يضع سلاحه جانباً؛ بل واصل مسيرته في دروب النضال، متوجهاً إلى الساحل الغربي، حيث التحق بصفوف المقاومة الوطنية ضمن اللواء التاسع – حراس الجمهورية، وتم تعيينه قائد سرية مواصلاً أداء واجبه، ومدافعاً عن الأرض، ومشاركاً رفاقه في حماية ما تحقق من مكتسبات وانتصارات.

ثم جاء سبتمبر 2026م، وتصاعدت الهجمات الحوثية، فكان القائد بكيل في موقعه؛ مرابطاً، ثابتاً، لا تهزه شدة الموقف ولا كثافة النيران.

وفي يوم التاسع من سبتمبر 2026م اشتدت المعارك، وشنّ العدو هجوماً عنيفاً، فكان بكيل في قلب المواجهة، ثابت الخطى، رابط الجأش، يقاتل ببسالة، ويسعف الجرحى، ويسهم في تنظيم الصفوف وتشكيل نسق دفاعي في مفرق البرح، وسط كثافة القصف وشدة المواجهة.

وفي تلك اللحظات العصيبة، حين كانت النيران تتساقط من حوله، ظل ثابتاً كجبال ردفان التي أحبها وانتمى إليها. وحتى مع بدء الانسحاب التكتيكي، بقيت روحه معلقة بموقفه ومهمته؛ فلم يكن التراجع عن واجبه خياراً سهلاً في قاموس هذا الرجل، الذي عرفه رفاقه صلباً عند الشدائد، ثابتاً حين تضطرب الصفوف.

وهناك…

في أرض المعركة، حيث تختبر الرجال مواقفهم، ارتقى القائد بكيل فضل صالح الحافي شهيداً.

ارتقى شامخاً، كما عاش شامخاً؛ مقبلاً غير مدبر، وهو ينازل عدوه ويؤدي واجبه، ويضمد جراح رفاقه. رحل جسده، لكن بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة كل من عرفه، وبقيت مواقفه شاهدةً على رجلٍ اختار أن يجعل من حياته طريقاً للعطاء والتضحية.

كان خبر استشهاده ثقيلاً على رفاقه ومحبيه؛ فقد فقدت جبهة الساحل الغربي واحداً من رجالها، وفقدت ردفان واحداً من أبنائها الذين حملوا اسمها في ميادين الشرف. ولم يكن الحزن على رحيله حزناً على رجلٍ عابر، بل على أخٍ وصديقٍ ورفيق دربٍ ترك خلفه أثراً لا تمحوه الأيام.

رحل بكيل، لكن الرجال لا ترحل سيرتهم برحيل أجسادهم.

تبقى مواقفهم في ذاكرة الأحياء، وتبقى أسماؤهم في صفحات التاريخ، وتبقى تضحياتهم شاهدةً على ما قدموه لمن أحبوا ولما آمنوا به.

يا بكيل…

يا ابن ردفان الأبية، ويا ابن الحافي الكرام، ويا رفيق المتارس والمواقف؛

رحلت عن أعيننا، لكنك لم ترحل من قلوبنا.

غاب وجهك البشوش، وبقيت ابتسامتك في ذاكرة من عرفوك.

سكن صوتك، وبقي صدى مواقفك يتردد بين رفاقك ومحبيك.

وغاب جسدك تحت التراب، لكن ذكراك ستظل فوقه، شاهدةً على رجلٍ عاش عزيزاً، ورحل عزيزاً.

سلامٌ عليك يوم وُلدت، وسلامٌ عليك يوم رحلت، وسلامٌ عليك يوم تُبعث حيّاً.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الشهيد البطل القائد بكيل فضل صالح الحافي ابو راجح بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويسكنه فسيح جناته، وأن يجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

ونسأله سبحانه أن يربط على قلوب أهله وذويه ورفاق دربه ومحبيه، وأن يمنحهم الصبر والثبات، وأن يعظم أجرهم في مصابهم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

رحم الله بكيل، ورحم كل من ارتقى شهيداً دفاعاً عن أرضه وكرامته، وحفظ رفاق دربه، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.