اليمن في الصحافة الخارجية

فنزويلا تواجه تحديات معقدة تعرقل طريق الانتقال الديمقراطي

صحيفة الامارات اليوم 30/09/2026 03:08 278 مشاهدة
فنزويلا تواجه تحديات معقدة تعرقل طريق الانتقال الديمقراطي
فنزويلا تواجه تحديات معقدة تعرقل طريق الانتقال الديمقراطي

إعادة هيكلة المؤسسات وإخضاع الجيش للسلطة وإنعاش الاقتصاد ومواجهة العصابات.. ملفات تنتظر الحكومة المقبلة

صورة

تستعد الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغز للتخلي عن منصبها، في خطوة قد تمهد الطريق أمام عودة البلاد إلى المسار الديمقراطي، وذلك بعدما أعلنت خلال خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي استعدادها لإجراء انتخابات في فنزويلا.

ورغم هذا الإعلان، لايزال الموعد الدقيق لإجراء الانتخابات غير واضح، فيما بدأت ملامح خطة أولية للمرحلة الانتقالية في الظهور. فمنذ عدة أشهر، تجري الحكومة «التشافيزية» التي لاتزال قائمة، وتحت إشراف دقيق من وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، محادثات مع قوى المعارضة السياسية بهدف التوصل إلى صيغة يمكن من خلالها إدارة المرحلة المقبلة.

ويتولى «المجلس الوطني للمصالحة» مهمة الوساطة في هذه النقاشات، حيث يسعى إلى تسهيل عملية الانتقال المرتقبة من خلال إدماج عدد من الشخصيات المعارضة البارزة في الحكومة الفنزويلية، بما يمكن أن يعزز الثقة بنزاهة العملية الانتخابية المقبلة، ويمنح المعارضة دوراً فعلياً في مراقبة وإدارة مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.

مهام صعبة

وفي حال تمكنت أحزاب المعارضة من الفوز في الانتخابات المرتقبة، وهو احتمال مرجح وفقاً للسيناريو المطروح، فإنها ستجد نفسها أمام مجموعة كبيرة من المهام الصعبة والمعقدة، فالحكومة الجديدة ستتولى إدارة مؤسسات دولة تشكلت خلال عقود في ظل نظام كان معادياً لها، فيما تضم هذه المؤسسات أعداداً كبيرة من الموظفين الذين قد يخشون المساءلة عن أفعال ارتكبوها في السابق.

وستكون القيادة الجديدة مطالبة باستعادة السيطرة على الوظائف الأساسية للدولة، مع تجنب تقويض النظام العام، أو الانخراط في عمليات تطهير واسعة النطاق أو أشكال أخرى من الانتقام السياسي. وتدرك الولايات المتحدة، وفق هذا الطرح، المخاطر التي يمكن أن تترتب على سياسات الإقصاء الشامل.

وسيتطلب تحقيق ذلك إعادة هيكلة عدد من المؤسسات، وفي مقدمتها المحاكم والجهاز البيروقراطي اللذان يضمان حالياً أعداداً كبيرة من الموظفين المرتبطين بالرئيس السابق نيكولاس مادورو أو الموالين للنظام السابق، وهو ما قد يشكل عقبة أمام قدرة الحكومة الجديدة على تنفيذ سياساتها.

ورغم أن المؤسسات الأكثر نفوذاً، مثل المجلس الوطني للانتخابات والمحكمة العليا الفنزويلية، قد تكون الأكثر احتياجاً إلى إصلاحات جذرية، فإن التحدي لا يقتصر على هذه المؤسسات العليا. فمعظم شاغلي المناصب الحكومية الدنيا سيكونون، بحكم الواقع، من الموظفين الذين تولوا مواقعهم خلال الحقبة «التشافيزية»، الأمر الذي سيجبر المعارضة على إيجاد وسائل عملية لضبط أداء الجهاز الحكومي وتوجيهه بما يتوافق مع سياسات السلطة الجديدة.

المؤسسة العسكرية

وإلى جانب إصلاح المؤسسات، ستواجه الحكومة الجديدة تحدياً أكثر حساسية يتمثل في إعادة فرض السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية، وهي ربما القضية الأكثر صعوبة وخطورة في مسار التحول الديمقراطي الفنزويلي. فعلى مدى عقود، خضعت المؤسسة العسكرية في فنزويلا لعمليات تجنيد وتدريب وتنظيم قامت بدرجة كبيرة على أساس الولاء للنظام السياسي قبل أي اعتبار آخر. ولضمان هذا الولاء، منح تشافيز ومادورو عدداً من كبار الجنرالات مناصب رسمية مربحة ومواقع حكومية نافذة، فضلاً عن توفير فرص للاستفادة من شبكات الفساد الواسعة والأنشطة الإجرامية المنتشرة في البلاد.

وبدعم من واشنطن، إلى جانب التهديد الضمني بإمكانية أن تتخذ وزارة الحرب الأميركية إجراءات ضد الجنرالات الذين قد يرفضون الخضوع للسلطة المدنية الجديدة، يمكن للحكومة الفنزويلية المقبلة أن تجري تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية، بما يشمل إبعاد العناصر الأكثر ارتباطاً بالنظام السابق وتعيين ضباط جدد يقبلون بمبدأ خضوع الجيش للسلطة المدنية.

ومن المرجح أن تضم القيادة العسكرية الجديدة عدداً من الضباط من الرتب المتوسطة أو الدنيا نسبياً، ممن تعرضت مساراتهم المهنية في السابق للعرقلة نتيجة هيمنة الجنرالات الأكبر سناً الذين سيطروا على المشهد العسكري والسياسي طوال عهدي مادورو والرئيس السابق هوغو تشافيز.

لكن معالجة الفساد داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب إعادة بناء جيش يعاني من أوضاع متردية، ستكون مهمة طويلة الأمد قد تستغرق عقوداً. ولا يوجد ما يضمن استمرار الاهتمام الأميركي النشط بالشأن الفنزويلي طوال هذه الفترة، خصوصاً مع تغير الإدارات والأولويات السياسية في واشنطن.

اقتصاد منهك

ويصبح تجاوز هذه التحديات أكثر صعوبة في ظل عدم امتلاك الحكومة الجديدة ترف العمل في بيئة اقتصادية مستقرة، أو حتى في ظل سيطرة كاملة على جميع أراضي البلاد. فاقتصاد فنزويلا منهك، حيث تعرض لدمار واسع نتيجة عقود من سوء الإدارة والعزلة الدولية والفساد.

وعلى الرغم من أن حركة التجارة شهدت تحسناً، وأن قطاع النفط بدأ يستعيد نشاطه منذ الإطاحة بمادورو، فإن البلاد لاتزال تعاني مستويات مرتفعة من الفقر، وأعباء ديون ثقيلة، واختلالات هيكلية عميقة تراكمت على مدى سنوات.

كما أدت الأزمة الطويلة إلى مغادرة أعداد كبيرة من أصحاب المهن والكوادر المتخصصة للبلاد، ومن بينهم المحامون والأطباء والمهندسون وغيرهم من أصحاب الخبرات. ورغم إمكانية عودة بعض هؤلاء في حال تحسن الأوضاع السياسية والاقتصادية، فإن الغالبية قد تفضل على الأرجح البقاء في البلدان التي استقرت فيها خلال السنوات الماضية.

عصابات الجريمة

لكن الخطر الأكبر الذي قد تواجهه فنزويلا، ربما يتمثل في عصابات الجريمة المنظمة التي تفرض نفوذها على مساحات واسعة من المناطق الداخلية. وقد أثبتت المناطق الغنية بالمعادن، لاسيما حقول ومناجم الذهب، أنها تمثل مورداً بالغ الربحية بالنسبة إلى هذه الجماعات.

وأصبح التعدين غير القانوني جزءاً مهماً من سلاسل التمويل والأنشطة الخاصة بالعديد من المنظمات الإجرامية، حيث يوفر بيع الذهب المستخرج بصورة غير قانونية وسيلة ملائمة لغسل الأموال الناتجة عن أنشطة أخرى، من بينها الابتزاز وتهريب المخدرات.

ومن شأن أي جهود تهدف إلى إضفاء الطابع المهني على المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية وإعادة إخضاعها لسيطرة الدولة أن تقود، بصورة شبه حتمية، إلى مواجهة مع عصابات الجريمة المنظمة، التي عملت طوال السنوات الماضية على بناء نفوذها واتخاذ إجراءات تحول دون تدخل الحكومة بصورة كبيرة في أنشطتها.

وقد شكلت مواجهة هذه الجماعات تحدياً كبيراً للدولة المجاورة كولومبيا، رغم امتلاكها جيشاً محترفاً وفعالاً. أما في فنزويلا، فإن اندلاع مواجهة مفتوحة بين العصابات المسلحة وحكومة جديدة قد يضع البلاد أمام دوامة من الجريمة والعنف، على نحو يمكن أن يقترب من الأوضاع التي تشهدها الإكوادور المجاورة في الوقت الراهن.

ورغم أن الدعم الأميركي يمكن أن يساعد على احتواء الموقف، فإن مكافحة الجريمة المنظمة في أميركا الجنوبية غالباً ما تتطلب عمليات عسكرية وأمنية على الأرض لمواجهة جماعات إجرامية مسلحة تسليحاً جيداً. ومن غير المرجح أن تكون أي إدارة أميركية متحمسة لإرسال قوات من أجل احتلال أو السيطرة على منطقة «قوس أورينوكو للتعدين»، وهي المنطقة التي تشكل أحد المراكز الرئيسة للثروة المعدنية والأنشطة التعدينية في فنزويلا.

انتخابات مؤجلة

وتظل كل هذه التعقيدات قائمة حتى في ظل وجود رقابة أميركية يقظة ومستمرة على مسار الانتقال السياسي في فنزويلا. غير أن الجداول الزمنية المقترحة لإجراء الانتخابات، والتي تشير إلى أواخر عام 2027 أو عام 2028، تعني أن انتقال السلطة قد لا يتم قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

وقد يكون هذا التوقيت منطقياً من منظور الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، حيث يمكن لإدارة الرئيس دونالد ترامب أن تنهي ولايتها بإدارة انتخابات جديدة في فنزويلا، بما يمهد الطريق أمام قيام حكومة ديمقراطية ذات علاقات وثيقة مع واشنطن، وذلك قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

وفي المقابل، ستكون الإدارة الأميركية التي ستتولى السلطة لاحقاً هي التي ستواجه أي تداعيات سلبية قد تنتج عن عملية الانتقال.

غير أن هذا السيناريو يحمل في طياته احتمالات كبيرة لحدوث الفوضى، خصوصاً إذا تراجعت قنوات الاتصال أو ضعفت آليات التنسيق بين الأطراف الفنزويلية والولايات المتحدة.

وسيكشف الوقت ما إذا كانت الجهود الأميركية الرامية إلى المساعدة في بناء دولة جديدة في أميركا اللاتينية ستتمكن من تحقيق نتائج أفضل أو مختلفة عن التجارب التي خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط.

جوزيف أدينغتون*

*كاتب ومحرر سابق في «أميركان كونزفيتيف»

عن «أميركان كونزفيتيف»

منح المعارضة موطئ قدم داخل مؤسسات الحكم

يمثل منح المعارضة موطئ قدم داخل مؤسسات الحكم في فنزويلا، أو حتى السماح لها بالاطلاع على كيفية سير العمل الحكومي، خطوة مهمة باتجاه ضمان انتقال منظم وفعال للسلطة. فقد تعرضت شخصيات معارضة، من سياسيين وقضاة وموظفين حكوميين، لإقصاء ممنهج عن المناصب العامة خلال عهدي الرئيسين السابقين هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو.

ولم يقتصر الأمر على إبعاد المعارضين عن مواقع صنع القرار، بل طال هيكل الدولة نفسه في بعض الحالات، حيث أعيد تنظيم عدد من مؤسساتها بهدف ترسيخ أيديولوجية «التشافيزية» أو خدمة مصالح المقربين من النظام والموالين له على نحو خاص.

• الحكومة الفنزويلية الحالية تُجري محادثات مع المعارضة السياسية تحت إشراف واشنطن للتوصل إلى صيغة لإدارة المرحلة المقبلة.

• الجداول الزمنية المقترحة لإجراء الانتخابات في فنزويلا تشير إلى أن انتقال السلطة قد لا يتم قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية.

آخر تحديث للصفحة تم بتاريخ: 29 سبتمبر 2026 23:04

أعلى