تشهد المعارك في المثلث الاستراتيجي الممتد بين باب المندب وغربي لحج وجنوب غرب تعز مرحلة جديدة، حيث حولت مليشيا الحوثي الارهابية ضغطها من محاولات السيطرة المباشرة على سلسلة جبال كهبوب إلى استهداف المرتفعات وطرق الإمداد المحيطة بها، في تحرك يهدف إلى عزل السلسلة الجبلية والالتفاف على القوات الحكومية المتمركزة فيها بعد تعثر الهجمات المباشرة.
وتزامن هذا التحول، الثلاثاء، مع استهداف الحوثيين بصاروخ باليستي قاعدة عسكرية تابعة لقوات «درع الوطن» في منطقة خور عميرة بمحافظة لحج، وسط معارك عنيفة في مديرية المضاربة ورأس العارة ومحيط جبل الأغبرة، قرب الحدود الإدارية مع مديرية الوازعية غربي تعز. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الضربة أسفرت عن مقتل خمسة جنود وإصابة ثلاثة، فيما لم تعلن السلطات الحكومية حصيلة رسمية حتى وقت نشر التقرير.
وتشير خريطة الاشتباكات الأخيرة إلى أن المعركة لم تعد تتركز فقط على كهبوب، المطل مباشرة على منطقة باب المندب، بل امتدت شرقاً وشمال شرق باتجاه المضاربة والأغبرة والمرتفعات المتصلة بالوازعية، وهو ما يضع طرق الربط بين مواقع القوات الحكومية في لحج وغربي تعز في قلب المواجهة. بدأ هذا المسار بعد التقدم الحوثي الكبير على ساحل البحر الأحمر والسيطرة على باب المندب في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، حيث اتجه الحوثيون سريعاً نحو المرتفعات المطلة على المنطقة، وفي مقدمتها سلسلة جبال كهبوب، في محاولة لتوسيع العمق الدفاعي للمناطق التي سيطروا عليها.
ومع فشل الهجمات المباشرة في إحداث اختراق حاسم في كهبوب، تحركت المعارك بصورة متزايدة نحو المضاربة وجبل الأغبرة. ويقول مسؤولون إن الحوثيين دفعوا بأعداد كبيرة من المقاتلين إلى المنطقة، بهدف قطع طرق الإمداد الرئيسية التي تربط القوات الحكومية بين لحج وتعز وعزل جبل كهبوب عن عمقه الخلفي. ويعني نجاح مثل هذا الالتفاف أن الحوثيين لن يكونوا مضطرين بالضرورة إلى اقتحام كهبوب من أكثر محاورها تحصيناً، بل يمكن أن يتحول الضغط على طرق الإمداد والمواقع الخلفية إلى وسيلة لاستنزاف القوات المدافعة عن الجبل.
وفي سياق متصل، تصاعد النشاط العسكري في محافظة تعز، حيث استهدفت طائرات حربية تجمعات حوثية وآليات عسكرية في جبهة حيفان جنوب تعز، كما تم تدمير منصة لإطلاق صاروخ باليستي داخل قاعدة جبل أومان شمال تعز. وتأتي هذه الضربات وسط مؤشرات على استمرار الحوثيين في إرسال تعزيزات ثقيلة باتجاه تعز. وتعتمد القوات الحكومية استراتيجية استباقية تقوم على استهداف مناطق التجمع والحشد وخطوط التعزيز قبل وصول الوحدات إلى الجبهات، لمنع تكرار سيناريو الساحل.
وتكشف التطورات الحالية أن المعركة حول باب المندب لم تنته بالسيطرة على الساحل، بل انتقلت إلى الجبال التي تحيط به وتتحكم بطرق الوصول إليه. فالحوثيون يحتاجون إلى عمق جبلي يؤمن مكاسبهم الساحلية، بينما تحاول القوات الحكومية الاحتفاظ بكهبوب والمرتفعات المجاورة باعتبارها خطاً يمنع الجماعة من تثبيت سيطرتها الكاملة على المنطقة. وهكذا أصبحت المعركة التي بدأت حول المضيق الاستراتيجي مواجهة على من يسيطر على المرتفعات التي تحمي باب المندب، ومن يحتفظ بالطرق التي تربط الساحل بتعز ولحج والعمق المؤدي نحو عدن.