تحليل سياسي ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في الأربعاء ,30 سبتمبر ,2026-02:17 مساءً
تأتي زيارة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى الرياض في سياق محاولة لطي صفحة الخلاف السعودي - الإماراتي، خصوصاً بعد التطورات اليمنية الأخيرة وتقدم الحوثيين نحو مناطق استراتيجية في الجنوب الغربي وباب المندب، وحاجة الرياض إلى التعاون الإماراتي في التعامل مع القوى الجنوبية التي كانت تحظى بدعم أبوظبي.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول مصلحة الجنوب من هذا التقارب، ويمكن التمييز بين ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: تفاهم لإدارة الجنوب دون حل قضيته.
وهو السيناريو الذي لا يحقق للمجلس الانتقالي الجنوبي هدفه السياسي. فقد تسعى الرياض وأبوظبي إلى توحيد القوى المناهضة للحوثيين وإعادة ترتيب القوات الجنوبية، مع الإبقاء على مستقبل الدولة اليمنية موحداً، وهو ما يعني أن استعادة دولة الجنوب ستظل خارج التسوية.
السيناريو الثاني: إعادة إدماج القوى الجنوبية في المعادلة.
وهذا السيناريو أكثر أهمية، فالواقع العسكري أثبت أن تجاهل القوى الجنوبية ليس سهلاً. وتواجه السعودية معضلة كيفية التعامل مع القوات التي كانت مدعومة إماراتياً، بما فيها ألوية العمالقة وقوات جنوبية أخرى تمثل قوة عسكرية مهمة في مواجهة الحوثيين. وهنا يمكن أن يتحول التقارب السعودي - الإماراتي إلى فرصة للمجلس الانتقالي إذا أدى إلى إعادة فتح القناة السياسية بشأن مستقبل الجنوب، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات عسكرية.
السيناريو الثالث: فتح تفاوض حقيقي حول مستقبل الجنوب.
وهو السيناريو الأكثر أهمية للقضية الجنوبية، لكنه لم يثبت بعد أنه جزء من تفاهمات الرياض وأبوظبي. وعملت الرياض خلال الأشهر الماضية على إعادة تنظيم المشهد السياسي والأمني في الجنوب وتقليص نفوذ المجلس الانتقالي، بينما بقيت مسألة استيعاب القوات الجنوبية وإعادة تشكيلها غير محسومة.
والسؤال الحقيقي هنا: هل ستؤدي المصالحة السعودية - الإماراتية إلى إعادة فتح الملف الجنوبي سياسياً؟ إذا كان الجواب نعم، فإن الجنوب قد يكون أحد المستفيدين من المصالحة. أما إذا اقتصرت على مواجهة الحوثيين وحماية باب المندب وأمن السعودية والخليج، فقد تستفيد الرياض وأبوظبي أمنياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تقدماً في مشروع استعادة دولة الجنوب.
وهناك نقطة استراتيجية مهمة، وهي أن انسحاب القوات الإماراتية لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الإماراتي أو انتهاء العلاقة مع المجلس الانتقالي.
ومن منظور القضية الجنوبية، قد يكون التطور الأكثر أهمية هو أن تنتقل الرياض من سياسة احتواء المجلس الانتقالي أو إعادة هندسة القوى الجنوبية بعيداً عنه، إلى سياسة التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية يمنية. وهذا هو المجال الذي يستطيع فيه المجلس الانتقالي أن يحول التقارب السعودي - الإماراتي إلى فرصة سياسية، ليس بالمطالبة فقط بالدعم الإماراتي، وإنما بإقناع الرياض بأن استقرار الجنوب وباب المندب واليمن لا يمكن فصله عن تحديد مستقبل الجنوب سياسياً.
وتقف الرياض اليوم أمام مسؤولية تاريخية وسياسية تجاه الجنوب، ليس فقط بحكم دورها المركزي في اليمن والمنطقة، وإنما أيضاً بحكم قدرتها على التأثير في مختلف الأطراف.
فالجنوب لا يطالب بأن يكون مجرد طرف عسكري في مواجهة الحوثيين، ولا أن تتحول قواته إلى ورقة في ترتيبات إقليمية مؤقتة. إن جوهر القضية هو مستقبل شعب وهوية سياسية ودولة كانت قائمة قبل الوحدة، ثم دخلت في مسار سياسي انتهى إلى حرب 1994 وما ترتب عليها من مظالم.
ولذلك فإن السؤال الذي يواجه الرياض اليوم ليس فقط: كيف نحمي أمن الحدود وباب المندب والخليج؟ وإنما أيضاً: كيف نضمن أن يكون السلام المقبل قائماً على معالجة القضية الجنوبية، لا على تأجيلها؟
وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للمملكة العربية السعودية في أن تستخدم ثقلها الإقليمي وعلاقتها بمختلف الأطراف من أجل فتح الطريق أمام تسوية عادلة ومستدامة للقضية الجنوبية، تتيح لشعب الجنوب أن يحدد مستقبله السياسي، بما في ذلك خيار استعادة دولته، ضمن مسار تفاوضي واضح ومقبول دولياً.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لأي صفحة جديدة بين الرياض وأبوظبي: هل ستقود إلى مجرد إعادة ترتيب التحالفات، أم ستفتح الطريق أمام تسوية تاريخية للقضية الجنوبية؟