متابعات خاصة
يدفع أطفال اليمن الفاتورة الأبهظ والأكثر قسوة جراء موجات التصعيد العسكري المتواصلة التي تشنها ميليشيا الحوثي -المدعومة من إيران-؛ حيث تحولت المدارس إلى ثكنات أو أهداف عسكرية، وغدا النزوح المأساوي واقعاً فرض نفسه على آلاف الأسر، فيما باتت عمالة الأطفال البديل القسري والوحيد لحقٍ أصيل سُلب منهم تحت وطأة سلاح الميليشيا.
الطفل منير.. رحلة اقتلاع من الصفوف الدراسية إلى أرصفة العمالة
تتجسد الكلفة الإنسانية الباهظة لهذا التصعيد في قصة الطفل "منير فاري" (13 عاماً)، الذي طوى كراساته المدرسية رغماً عنه بعد أن فرّ برفقة أسرته من مديرية الوازعية بمحافظة تعز تحت بوابل قصف الميليشيا واقتراب خطوط النار من قريته، تاركاً خلفه حياة الاستقرار ورعاية الماشية التي كان يعاون بها والده.
وفي مخيمات النزوح بمديرية الشمايتين، انقلبت حياة منير رأساً على عقب؛ فبدلاً من صرير الأقلام وحمل الحقيبة المدرسية، وجد الطفل نفسه بائعاً للجوارب والسلع الزهيدة في الأسواق المكتظة ليعيل أسرته المعدمة في تأمين أدنى مقومات الحياة من مياه وغذاء. وفي حديث نقلا عن صحيفة "الغارديان" البريطانية، لخص منير حجم المأساة بمرارة قائلاً: "التعليم مهم جداً، لكننا نكافح اليوم لمجرد الحصول على اللقمة والماء.. وسأواصل العمل حتى تتوقف هذه الحرب".
تأتي مأساة منير كواحدة من قصص أكثر من 130 ألف نازح شردتهم موجة التصعيد الحوثي الأخيرة، مضحيةً بسنوات من الهدوء النسبي الذي رافق الهدنة الأممية للعام 2022، ومُطلقةً موجات نزوح جديدة تعصف بالجنوب الغربي للبلاد.
رعب الصواريخ وإغلاق المدارس.. الصدمات النفسية تلاحق التلاميذ
ولم ينجُ من المأساة من بقي في منزله؛ ففي قلب مدينة تعز، توقفت عجلة التعليم في مدرسة "مصعب بن عمير" وحُرم أكثر من 600 تلميذ من الدراسة عقب سقوط صاروخ حوثي وانفجاره على مقربة من أسوارها أثناء تواجد الطلاب داخل الفصول.
ووصف مدير المدرسة عبد الواسع عبدو تلك اللحظات المرعبة قائلاً: "إن الانفجار أحدث حالة عارمة من الهستيريا والبكاء والصراخ بين الأطفال، وتسبب في صدمات نفسية عميقة لدى الكثير منهم". وأكد عبدو أن اتساع رقعة المواجهات في جبهات الجنوب والغرب والشمال جعل من استئناف العملية التعليمية أمراً شبه مستحيل.
جيل كامل تحت خط خطر الضياع وشلل اقتصادي يخنق الأسر
وتأتي هذه التطورات الميدانية الكارثية لتضاف إلى أرقام أممية قائمة أظهرت حرمان أكثر من 3.2 مليون طفل يمني من التعليم بفعل الحرب، ما يعني أن تصعيد الميليشيا الممنهج لا يكتفي بتدمير الحاضر، بل يعيد إنتاج أزمة جيل كامل يدفع به نحو أرصفة البطالة وعمالة الأطفال القسرية.
ولم تتوقف الآثار الكارثية للحرائق الحوثية عند حدود المدارس والنزوح، بل تعدتها إلى خنق شرايين الحياة الاقتصادية؛ حيث أدى قطع الطريق الرئيسي الرابط بين "المخا" و"تعز" -والذي يعد شريان الإمداد الحيوي للمحافظة- إلى شلل في حركة التجارة وقفزات قياسية في أسعار المواد الغذائية، ما أدى لحرمان آلاف العائلات من السلع الأساسية ودفعها إلى التقشف القاسي على حساب صحة أطفالها.
إن تصعيد الميليشيا الحوثية الممنهج يعيد صياغة واحدة من أكبر جرائم الحرب في التاريخ الحديث: تحويل أطفال اليمن من ضحايا غير مباشرين للنزاع إلى الهدف الأسهل لدفع الفاتورة؛ عبر تجريدهم من حقهم في التعليم والأمان، وربط مصيرهم بأجندات عسكرية مدعومة خارجياً تعصف باستقرار المجتمع وتقوض مقومات العيش الكريم.