في عالم الأساطير الخرافية، يُولد "الأسد الورقي" من خيوط الكرتون الملون وأحبار التضليل، يزأر فيملأ الفضائيات صخباً، ويتمدد في المخيلة الافتراضية وكأن جبال المرانق والمرتفعات قد خُلقت لكي تطأها حوافرُه الأبدية.
هكذا دخلت مليشيا الحوثي سباق الوهم، متوهمةً أن الخطب الحماسية، والشعارات المستوردة من مخازن العصور الوسطى، و"الزوامل" المبتذلة، قادرة على تغيير قوانين الفيزياء العسكرية وصنع إمبراطورية ورقية تعبرها رياح الحقيقة.
لكن التاريخ، كعادته، لا يجامل "الكاتشب الثوري"، ولا يعبأ بدعاية الصواريخ الوهمية المصنوعة من الفوم والكرتون. وحين دقّت ساعة الصدق في الساحل الغربي، واصطدمت خطب الأوهام بصلابة الأرض وجيش اليمن الحقيقي والمقاومة الباسلة، تهاوت تلك القلعة الهشة كتداعي بيت العنكبوت. فإذا بالأسد المزعوم يتحول أمام أول اختبار حقيقي إلى مجرد "أوريغامي" سياسي، يطير ريشه في مهب الريح، ليثبت المثل اليمني الخالد: "ماطار طير وارتفع، إلا كما طار وقع".
حين تصطدم الأوهام بالرمال المتحركة
اللواء الركن عبدالسلام الشحي (قائد عسكري ومحلل استراتيجي) قال:
يؤكد اللواء الركن عبدالسلام الشحي أن الفقاعة الحوثية في الساحل الغربي لم تكن سوى عرض مسرحي هزلي أُدير ببراعة فائقة من غرف التضليل، لكنها سقطت عند أول احتكاك ميداني جاد.
يقول الشحي: "لقد ظنوا أن رفع الشعارات الطائفية والعويل الإعلامي يغني عن بناء جيش حقيقي. في الساحل الغربي، لم نكن نواجه استراتيجية عسكرية بقدر ما كنا نواجه مجموعة من الهواة الذين صدقوا كذبتهم الخاصة.
حين أشرقت شمس الحقيقة على شواطئ البحر الأحمر، ذابت تلك الهالة المصنوعة من الفلّين، وتبيّن للجميع أن من يرتزق على دماء الأطفال لا يمكنه صيانة شبر واحد من الأرض حين تقرع طبول الرجولة والبطولة."
إمبراطورية البدروم والزوامل.. استعراض الدعاية مقابل هشاشة الميدان
الدكتورة أروى عثمان (باحثة وأديبة يمنية) قالت:
من زاويتها الثقافية والنقدية، ترى الدكتورة أروى عثمان أن الخطاب الإعلامي الحوثي اعتمد على "تخدير الوعي الجمعي" عبر صناعة أصنام وهمية لا أساس لها من الصحة.
وتوضح عثمان قائلة: "لقد استثمروا لسنوات طويلة في ثقافة السخرية المرة؛ فبنوا إمبراطورية كاملة من الصوت العالي والزوامل التي تمجد الوهم. كانوا يصنعون من الهزيمة نصراً في نشرات الإخبار، ومن الفشل الذريع ملحمة أسطورية. لكن الأسد المصنوع من ورق وكرتون لا يقاوم نفخة هواء واحدة، وما حدث في الساحل الغربي لم يكن مجرد انكسار عسكري، بل هو السقوط المروع لصناعة الكذب بكامل عدتها وعددها."
اقتصاد المظلومية والابتزاز.. كيف تتحول المليشيا إلى نمر من ورق؟
الأستاذ ماجد المذحجي (باحث سياسي ومحلل شؤون يمنية) يحلل الجانب البنيوي لضعف الجماعة، معتبراً أن الساحل الغربي كان بمثابة "مختبر الكشف المبكر" عن تآكل الهيكل الحوثي من الداخل.
ويعلق المذحجي ساخراً: "الحوثيون بارعون في شيء واحد فقط: تجارة المظلومية وصناعة الهلع. لكن عندما تُوضع هذه الجماعة أمام دولة، أو تشكيل عسكري جاد يدافع عن ترابه، يتلاشى السحر ويختفي الساحر.
لقد رأينا كيف تهاوت دفاعاتهم المدججة بالأكاذيب في الساحل الغربي، وكيف تبخرت خططهم الاستراتيجية المزعومة على وقع الضربات الحقيقية. إنهم ليسوا سوى ظاهرة صوتية ضخمة، وما إن يلامسهم الواقع حتى يعودوا إلى حجمهم الطبيعي.. غبار في مهب الريح."
نهاية الحكاية وبداية السقوط الأكبر
العميد الركن صادق دحان (قائد ميداني في المقاومة الوطنية)
يختتم العميد الركن صادق دحان المشهد الميداني بتلخيص بليغ لما جرى على تخوم الساحل الغربي، مؤكداً أن ما سقط هناك هو بروفة حية لما سيحدث في كل شبر يرزح تحت وطأة الكهنوت.
ويقول دحان: "كنا نراهم عبر شاشاتهم يهددون بإزالة الجبال، وحين التقيناهم وجهاً لوجه في ميادين الساحل الغربي، رأينا بأعيننا كيف تتطاير رتبهم الكرتونية وألقابهم المستعارة تحت أقدام الأبطال.
لقد هربوا وتخلّوا عن أتباعهم المغرر بهم بأسرع مما تتخيلون، تاركين خلفهم عتاداً مهولاً وكرامةً مهشمة. إن الساحل الغربي لم يكن مجرد معركة، بل كان 'المكواة' التي أذابت الشمع الحوثي، وهو النمودج الحق لكل الجبهات القادمة بإذن الله."
ختام:
إن السقوط المدوي لمليشيا الحوثي في الساحل الغربي لم يكن صدفة عابرة، بل هو القانون الطبيعي لكل بناء شيّد على الأكاذيب وسفك الدماء وابتزاز الأقوات. وكما سقط "الأسد الورقي" هناك وتناثرت أشلاؤه بين رمال البحر الأحمر، فإن مصير كل جبهات العجز والكهنوت هو الذوبان المحتوم أمام إرادة شعب يرفض أن يقايض حريته بصرخة زائفة أو زامل مدفوع الثمن. ماطار طير.. ووقع، ولن يصح إلا الصحيح.