في مرحلة الدكتوراه، يبدأ الباحث في اكتشاف حقيقة قد لا تُقال له بوضوح منذ البداية:
أن كتابة البحث ليست نهاية الطريق… بل جزء من طريق أطول اسمه المعرفة.
لكن مع الوقت، قد يتحول الأمر من سؤال:
ماذا سيضيف بحثي؟ إلى سؤال آخر: أين سأُنشر وهنا تبدأ المشكلة.
النشر العلمي مهم، ولا يمكن التقليل من قيمته؛ فهو وسيلة لمناقشة نتائج الباحث مع المجتمع العلمي، وتبادل المعرفة، وإتاحة النتائج للآخرين.
لكن عندما يتحول النشر إلى غاية منفصلة عن جودة البحث، يصبح الباحث معرضًا للوقوع في فخ جديد.
هل كل نشر إنجاز؟
ليس بالضرورة، قد ينشر الباحث بحثًا في مجلة، لكنه لا يضيف معرفة حقيقية.
وقد يملك الباحث عدة منشورات، بينما تظل أطروحته ضعيفة من حيث السؤال العلمي، والمنهج، والتحليل، والنتائج، وفي المقابل، قد يعمل باحث فترة طويلة على دراسة واحدة متماسكة، يراجع بياناتها بعناية، ويناقش نتائجها بصدق، ويخرج منها بإضافة علمية حقيقية.
عدد الأبحاث لا يساوي بالضرورة قيمة الباحث.
فالعلم ليس عدّادًا للمنشورات؛ فعندما يصبح الباحث أسيرًا للعنوان
أحيانًا يبدأ الباحث في اختيار موضوعه ليس لأنه يمثل مشكلة علمية تستحق الدراسة، وإنما لأنه:
* أسهل في النشر.
* أسرع في الإنجاز.
* يناسب متطلبات مجلة معينة.
* يمكن تقسيمه إلى عدة أبحاث صغيرة.
* أو لأن النشر أصبح شرطًا للحصول على الدرجة.
وهنا يجب أن نسأل:
هل نحن ننتج معرفة… أم ننتج أوراقًا؟ الفرق بين الاثنين كبير.
فالورقة العلمية الجيدة تبدأ بمشكلة حقيقية، وسؤال واضح، ومنهج مناسب، وتحليل صادق، ونتيجة يمكن الدفاع عنها.
أما الورقة التي تبدأ من سؤال: "كيف أنشر؟" قبل سؤال: "ماذا أريد أن أعرف؟"
فقد تجعل النشر يقود البحث، بدل أن يقود البحثُ النشر.
أخطر ما في الأمر
أن الباحث قد يبدأ في تعديل فكرة بحثه حتى تناسب المجلة، ثم يختار النتائج التي تبدو أكثر جاذبية، أو يبالغ في صياغة أهمية النتائج، أو يحاول إعطاء نتيجة محدودة أكبر من حجمها.
وهنا لا تعود المشكلة في النشر نفسه.
المشكلة في أن رغبة النشر قد تبدأ بالتأثير في صدق البحث.
والباحث الحقيقي يجب أن يكون مستعدًا لأن يقول:
هذه هي النتيجة التي توصلت إليها البيانات، حتى لو لم تكن النتيجة التي كنت أتوقعها.
وماذا عن المشرف؟
دور المشرف هنا مهم جدًا، وليس المطلوب أن يقول للباحث فقط:
"انشر." بل أن يسأله: هل البحث يستحق أن يُنشر؟
ما الإضافة التي يقدمها هل المنهج مناسب؟ هل النتائج مدعومة بالبيانات وهل صياغة الاستنتاج تتناسب فعلًا مع حجم الدليل؟
فالمشرف الذي يدفع الطالب نحو جودة البحث قبل عدد المنشورات، يساعده على بناء مسار علمي حقيقي.
أما تحويل النشر إلى سباق أرقام، فقد يجعل الباحث يهتم بما يضاف إلى سيرته الذاتية أكثر مما يضاف إلى المعرفة.
والجامعة أيضًا مسؤولة
إذا كانت المؤسسات الأكاديمية تقيس الباحث فقط بعدد الأبحاث المنشورة، فقد ترسل رسالة غير مباشرة:
"انشر بأي طريقة… المهم أن يكون لديك عدد كافٍ من المنشورات."
بينما البيئة الأكاديمية الصحية ينبغي أن تكافئ:
* جودة البحث.
* أصالة الفكرة.
* سلامة المنهج.
* النزاهة العلمية.
* قيمة النتائج.
* والقدرة على بناء معرفة يمكن الاستفادة منها.
فليس المهم أن يكون لدى الباحث عشر أوراق متشابهة، إذا كانت كل واحدة منها لا تضيف شيئًا يُذكر.
إلى طالب الدكتوراه
لا تجعل أول سؤال بعد الانتهاء من بحثك: "أين أنشره؟"
اجعل سؤالك الأول: "هل يستحق هذا البحث أن يُقرأ؟" ثم اسأل:
هل المشكلة واضحة؟
هل المنهج مناسب؟
هل البيانات كافية؟
هل التحليل صادق؟
هل هناك إضافة حقيقية؟
هل يمكن لباحث آخر أن يبني على ما توصلت إليه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فكر بعدها في المكان المناسب للنشر.
فالمجلة الجيدة لا تمنح البحث قيمته… بل البحث الجيد هو الذي يستحق أن يجد مكانه في المجلات الجادة.
وفي النهاية… الدكتوراه ليست مسابقة لجمع المنشورات، وليست سباقًا لإضافة سطر جديد إلى السيرة الذاتية.
إنها رحلة يفترض أن تنتهي بشيء واحد مهم:
أن يعرف العالم شيئًا لم يكن يعرفه، أو أن يفهم شيئًا بطريقة أفضل مما كان يفهمه من قبل.
اخيرا
قد تنشر كثيرًا ولا تترك أثرًا، وقد تنشر قليلًا، لكنك تضيف شيئًا يستحق أن يبقى.
لا تجعل هدفك أن يكون لك اسمٌ بين المنشورين…
اجعل هدفك أن يكون لبحثك أثرٌ بين العارفين.
فالمنشور يُضاف إلى السيرة… أما المعرفة فتُضاف إلى الحياة.