تعز... تلك العاصمة الثقافية التي يبدو أن حظها العثر قد أوقعها في جغرافيا لا تُعجب مهندسي الحصار. إحدى عشرة سنة من التضييق الممنهج لم تكن كافية لإشباع نهم العبث، فجاءت فصول الخنق الأخيرة لتؤكد أن الإبداع في إيذاء البشر قد بلغ آفاقاً لم تصلها حتى خيالات المؤلفين السيكوباتيين.
هنا، حيث تتحول الحياة اليومية إلى فيلم درامي طويل صامت، يكتشف المواطن أن الخبز رفاهية، والماء إشاعة، وأن المرور من حاجز تفتيش يحتاج إلى رخصة من عزرائيل شخصياً. وسط هذا العبث الجميل الذي يمارسه المحاصرون باحترافية مذهلة، تواصل المدينة، بكل عنادها التاريخي، ارتداء ثوب المقاومة الصامتة، وكأنها تقول: "زيدونا حصاراً، فنحن لسنا سوى هواة في تجريب المستحيل".
في مدينة تُصنَّف جغرافياً كأكبر سطح منزل مكشوف في العالم، يعيش الملايين حالة فريدة من "الحمية القسرية" التي تفرضها عبقرية الحصار. هنا، لا تبحث عن رغيف الخبز في المخبز، بل في كتب الفلسفة الصوفية عسى أن تجد فيها ما يسد رمق الجوع الروحي. إحدى عشرة سنة من ترويض الأسود في قفص الحصار جعلت المواطن التعزي يمتلك مهارات خارقة؛ فهو يطير دون أجنحة عبر الجبال الوعرة، ويمشي على الماء حين يقررون قطع الطرقات، ويعد الساعات لا لانتظار الفرج، بل ليرى إن كان جاره قد مات من الجوع أم من الضحك على المفاوضات الدولية.
إنها إيكولوجيا العبث الخالص، حيث تتحول أبسط الحقوق الإنسانية إلى جوائز تذكارية توزعها صدف الحظ في نهايات الأسابيع، وحيث يصبح النَفَس الطويل بضاعة مزجاة لا تقبل التصدير، بل تُستهلك محلياً حتى الكفاية.
أصبحنا ندرّس العالم كيف نصنع الحياة من لا شيء
الأستاذ عبد الله الحاتمي (مؤرخ ومفكر محلي) قال:
"يا صديقي، نحن لا نُحاصر؛ نحن نمر بتجربة أنثروبولوجية غير مسبوقة لتطور الكائن البشري. التاريخ يحدثنا عن سقوط أسوار الأساطير، أما نحن فقد بنينا أسواراً من الخرسانة والصلب حول أرواحنا. المحاصرون يعتقدون أنهم يمارسون السياسة، بينما هم في الواقع يكتبون دليلاً سياحياً لتعذيب البشر بأسلوب راقٍ. المضحك المبكي هو أننا أصبحنا ندرّس العالم كيف نصنع الحياة من لا شيء، بينما العالم يكتفي بإرسال برقيات تعزية مسبقة الدفع!".
التفاؤل الحذِر
الدكتورة أروى عبد الملك (أخصائية تغذية وسخرية سوداء)وقالت:
"بحسب آخر الإحصائيات الواردة من مخابزنا المطفأة، فإن المواطن التعزي بات يستهلك السعرات الحرارية من هواء الصبر المطلق. لقد ألغينا الفطور والغداء والعشاء واكتفينا بوجبة خفيفة تُسمى 'التفاؤل الحذِر'.
المثير للسخرية حقاً هو أن منظمات الغذاء الدولية تقيس أزمة الجوع عندنا بمسطرة من ورق، بينما نحن جربنا أكل الحجارة ووجدناها مالحة بما يكفي لعدم الاحتياج إلى بهاراتهم الدبلوماسية".
طرقات متعرجة كأنها أمعاء قطة
الكابتن سعيد القاضي (سائق باص خط الجبل) قال:
"تعال معي، اركب الباص وتعال نلعب لعبة 'تخمين الحاجز العسكري'. هل هو مغلق اليوم لأن المزاج سيء؟ أم لأنهم اكتشفوا أن عجلات السيارات تسبب تلوثاً بصرياً لأعينهم؟ إحدى عشرة سنة وأنا أطوف بهذا الباص في طرقات متعرجة كأنها أمعاء قطة، وكل يوم أقول غداً ينفرج الكرب، فإذا بالغد يأتي ومعه ثلاثة حواجز جديدة وطريق ترابي أطول. نحن لسنا سائقين، نحن بهلوانات في سيرك الحصار الأبدي".
رائحة الياسمين أمام مكتب نفايات
الشابة ميساء المخلافي (طالبة جامعية وباحثة عن أفق) قالت:
"الحصار هو المادة الدراسية الأساسية في جامعتنا، رغم أنه غير مُدرج في الخطة الدراسية. أنا أكتب أطروحة تخرج بعنوان: 'كيف تعبر سبعة حواجز عسكرية وتصل إلى قاعة المحاضرات برائحة الياسمين رغم أنك مررت بمكب نفايات؟'. الأساتذة يطلبون منا مراجع علمية، ونحن نجيبهم بأن المرجع الوحيد هو كيس دقيق أفرغه الجمارك في وجهي لأنني تحدثت بلهجة فصيحة".
يعاقبوننا لأننا لا نتقن الرقص على طريقتهم
الحاج قاسم الوجيه (مواطن مسن وبائع متجول) قال:
"يا ولدي، أنا عشت أجيالاً وأجيالاً، ورأيت الغزاة يأتون ويذهبون كأنهم موجة صيف خفيفة. لكن هؤلاء... هؤلاء لديهم إصرار غريب على جعل الحصار مهنة وحرفة تراثية. يعاقبوننا لأننا لا نتقن الرقص على طريقتهم، ولأننا نرفض أن نبيع الهواء الذي نتنفسه في أسواق المزاد العلني. خنقونا تماماً؟ فليخنقونا، فلدينا رئتان إضافيتان من حجر جبل صبر، وحين ينفد الهواء، سنستعير أنفاس التاريخ لنكمل الطريق".
الختام:
في نهاية المطاف، يبدو أن تعز قد تحولت إلى مزار سياحي عالمي لكل من يريد أن يختبر قمة العبث الإنساني بضمانة الموت المجاني.
إحدى عشرة سنة من الحصار الفاخر لم تترك شيئاً إلا وعدّته، بدءاً من حبات الأرز المهربة عبر الممرات الوعرة، وصولاً إلى دقات قلوب الأطفال المنتظرين لفتح طريق قد لا يأتِ أبداً. المحاصرون، في برجهم العاجي، يظنون أنهم أغلقوا كل المنافذ، متجاهلين بكل سذاجة أن من يعتاد العيش على حافة الهاوية يصبح صديقاً حميماً للريح، ومن يختار الكرامة وطناً لا تستوكفه جدرانهم ولا تعيقه خنادقهم المصنوعة من غبار الوصاية.
ستمر السنين، وسيبقى التاريخ يروي كيف أن مدينة صغيرة صنعت من حصارها أسطورة ومن جوعها قصيدة، بينما ظل صانعو الموت يفتشون في كتبهم البالية عن طريقة جديدة لقتل الحياة، فلا يجدون سوى خيبة أخرى تضاف إلى سجلاتهم المزدحمة بالفشل الذريع. فليتمادوا في غيهم قدر ما شاء لهم الظن، ولنمضِ نحن في طريقنا المعبد بالصبر الذي لا يكسره قيد، ولا تنال منه عتمة الحصار، فالحياة هناك... أطول من ليلهم، وأبقى من كيدهم أجمعين.