تاريخ النشر: 10.10.2026 | 21:39 GMT
لا يدع الرئيس ترامب أحداً يشتاق إليه طويلاً، فهو ومع كل صباح يطل علينا مبشراً بأن العالم أصبح أكثر أماناً بفضل رؤيته الخارقة وقراراته وخطواته التي تصب في مصلحة الجميع.
فهو يد الله الطولى على الأرض، ولعله هو آخر الأنبياء وأوحدهم الذي سيُخرج عباد الله من هذا الجحيم. لكن سيد البيت الأبيض لا يعرف أن البسطاء لم يعودوا بحاجة لمراكز التحليل لفهم ما يدور في عقله، ويكتفون برؤية الصورة المناقضة لما يقوله.
اللافت أن ترامب لم يخجل من صفع نفسه بعصا عقوباته التي لوح بها قبل أيام قليلة، مهدداً بفرض مزيد منها ضد من يجرؤ على شراء النفط الروسي، وبأن هذه الدول ستدفع ضريبة إضافية تصل إلى مئة في المئة على بضائعها الموردة إلى بلاده، لكنه هو نفسه، ومن دون خجل، طلب خلال مكالمته مع بوتين الإسراع بمد السوق الأمريكية بالديزل الروسي، وأعرب عن استعداده لتذليل جميع العقبات أمام وصول مشتقات النفط للأسواق العالمية. تناقض صارخ يكشف أن العقوبات التي كان يتشدق بها لم تكن يوماً سوى أداة ضغط سياسي، تُرفع وتُخفض حسب الحاجة، لا مبدأ ثابتاً يستند اليه في سياساته الخارجية وعلاقاته مع الدول.
في خفايا طلب الرئيس ترامب تكمن معضلة انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل، بعد فشله في إنهاء الحرب بسرعة مع إيران كما وعد، وفي فتح مضيق هرمز الذي كان أصلاً مفتوحاً قبل الحرب. لكن الرياح جرت بما لم تشته سفن الرئيس ترامب، الذي أدخل أسواق العالم في أزمة طاقة حقيقية بسبب استمرار إغلاق المضيق. ولم تعد إبداعاته عن ملايين البراميل التي تعبر مضيق هرمز يومياً إلا من صنع الخيال، وتبين أن ما تقوله القيادة الإيرانية عن إغلاق المضيق أقرب للواقع، وإلا لماذا هرع ترامب يرجو بوتين بتصدير الديزل ومشتقات النفط الروسي؟
يدرك ترامب أن أسعار الديزل في الولايات المتحدة في ارتفاع مستمر، بحيث وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من ستة دولارات للغالون، في الوقت الذي تستهلك فيه الولايات المتحدة يومياً أكثر من ثلاثة ملايين برميل من الديزل . وأصبح هذا الأمر يشكل أزمة حقيقية لسيد البيت الأبيض مع اقتراب الانتخابات النصفية، ولا سيما أنه يريد أن يحظى على نحو خاص بدعم الولايات الزراعية المحسوبة عليه مثل أيوا وكانساس، حيث يشكل الديزل فيها شريان الحياة للمزارعين وأصحاب الشاحنات. فمن دون ديزل رخيص، لا حصاد، ولا نقل، ولا أصوات.
لم يرفض الرئيس بوتين طلب نظيره الأمريكي، ويبدو أنه هو الرابح الأكبر من خطوة إعادة النفط ومشتقاته للأسواق العالمية، بالرغم من تحذيراته السابقة من أن الاستغناء عن مواد الطاقة الروسية سيحدث خللاً واضحاً في استقرار الأسواق العالمية. كما أن هذه الخطوة تشكل صفعة للدول الأوروبية التي لا تزال تتوهم بأنها ستحقق نصراً استراتيجياً على روسيا باستخدام عميلها زيلينسكي ودفعه للقتال حتى آخر شخص أوكراني على أرض المعركة.
غير أن الوهم الأوروبي بدأ يتلاشى مع كل تقدم للقوات الروسية وسيطرتها المتواصلة على جميع خطوط الإمداد، بالإضافة إلى توجه الجيش الروسي إلى شل أوكرانيا اقتصادياً عبر استهداف جميع البنى التحتية التي تعمل لمصلحة القوات الأوكرانية، بما فيها موارد الطاقة. ولم يكن غريباً أن الرئيس بوتين لم يعد بذلك الحماس تجاه عملية التفاوض لإنهاء الحرب، مع استمرار الهجمات الإرهابية لنظام كييف باستخدام المسيرات على البنى التحتية المدنية الروسية، عندما قال: "سنفكر متى يمكن استئناف عملية التفاوض في المستقبل".
لم تعد الحرب على إيران هاجس ترامب الأول، ولا الاعتداءات المستمرة من قبل الحوثيين على حلفائه الأساسيين في الشرق الأوسط، بل تحولت معضلة أزمة الديزل في بلاده إلى أولوية، كان مفتاح الحد منها يكمن في روسيا التي ستجني أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال الفترة التي سمحت فيها الخزانة الأمريكية بتصدير الديزل ومشتقات النفط الروسي. بيد أن ما يجهله ترامب هو أن خطوته هذه ستفتح المجال أمام كثير من الدول التي كانت سابقاً تتحفظ على شراء مشتقات النفط الروسية للإسراع بتوقيع عقود جديدة لمدها بموارد الطاقة من روسيا، بعدما كسر ترامب نفسه عصا العقوبات، وأصبح الطريق معبداً أمام الجميع لعودة موارد الطاقة الروسية إلى مسارها الطبيعي.
أما الديزل الروسي فتبين إنه تحول إلى قوة إضافية خارقة لدفع عجلة الانتخابات الأمريكية النصفية إلى الأمام، في حين أن ترامب أثبت مرة أخرى أن مبادئه تُقاس بأسعار الغالون، وليس بثبات التحالفات أو بمصداقية التهديدات. فبعد أن لوّح بعصا العقوبات في وجه العالم، انحنى أمام بوتين طالباً الديزل، متناسيا جملته الشهيرة "أمريكا أولاً" لتتحول إلى "الديزل الروسي أولاً" فداء للانتخابات النصفية.
حسن نصر، موسكو
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب