أخبار محلية

من خنادق الفداء إلى جبهات البناء: ثورة 14 أكتوبر.. الرُّوح التي تشيِّد الوطن

سباء نت- اخبار 15/10/2026 09:38 336 مشاهدة
من خنادق الفداء إلى جبهات البناء: ثورة 14 أكتوبر.. الرُّوح التي تشيِّد الوطن

من خنادق الفداء إلى جبهات البناء: ثورة 14 أكتوبر.. الرُّوح التي تشيِّد الوطن
لحج - سبأنت
على امتداد الوطن، ومن جمر الثَّرى الأشَم، دوَّى البارود، وارتوت الأرض بالدِّماء الزَّكيَّة، لتنهض ثورة 14 أكتوبر 1963م المجيدة، من صميم المعاناة، وتواجه إمبراطوريةً طالما تغنَّت بأن الشَّمس لا تغيب عن مستعمراتها، فبالسَّواعد السَّمراء التي صاغت قرار المواجهة، أعلن اليمنيون أنَّ الإرادة الحُرَّة عصيَّة على الإخضاع، وأنَّ الكرامة مبدأٌ تُصَان به الحياة، وتُبذَل في سبيله الأرواح، وفي أحضان الجغرافيا الأبيَّة، حملت تضحيات المناضلين بشائر التَّحرُّر، ومهَّدت لانبثاق فجرٍ استعاد به الشَّعب حقَّه في تقرير مصيره، وشقَّ طريقه نحو السِّيادة والعزَّة والبناء.

وبعد 63 عاماً، تعود هذه الذكرى العطرة، والوطن يخوض معركة لا تقل شراسة ولا قدسية عنوانها الأبرز صيانة المكتسبات، واستعادة الدولة ومؤسساتها، من براثن الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني وما أورثته من دمار ينهك كاهل اليمنيين، ويُربِك مسارات التنمية، إنها الجذوة ذاتها التي أوقدها الثُّوَّار الأوائل، تتأجَّج اليوم في أفئدة أبناء محافظة لحج ومؤسساتها، لتؤكد أن راية ثورة 14 أكتوبر، التي حرَّرت القرار الوطني بالأمس، هي ذاتها التي تقود معركة النهوض والرَّفعة اليوم.

وفي هذه المناسبة أجرت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، استطلاعاً مع نخبة من مسؤولي محافظة لحج، حول دلالات الثورة، وعظيم إنجازاتها، وما فرضته المرحلة من تحدِّيات، تستلزم تضافر الجهود لحماية الدولة وصيانة مؤسساتها.

شرارة أكتوبر والبناء السياسي الموحد:

يرى وكيل محافظة لحج، صلاح الداؤودي، أن ثورة 14 كتوبر 1963م الخالدة، تجاوزت في جوهرها حدود الاندلاعة العسكرية الخاطفة، وشكَّلت محطَّة مفصلية في صياغة الوعي السياسي اليمني، إذ نَقَلَت فكرة التَّحرُّر من فضاء التَّطلُّع النظري، إلى ميدان الفعل الوطني المنظَّم، وأرست دعائم مرحلة غدا فيها القرار الوطني النَّابع من الذَّات عنواناً ناصعاً للسِّيادة، وأضحت الدولة الحديثة الغاية الأسمى، التي تَسَابَق إليها النِّضال.. مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية للثورة لا تنحصر في لحظة الصِّدام مع المستعمر، إنَّما تتجلَّى في التَّحوُّلات العميقة التي أحدثتها في وعي المجتمع، فأعادت إليه إيمانه بحقه الأصيل في إدارة شؤونه وصناعة قدره، كاشفة عن حقيقة جليَّة مفادها أن الوطن لا يستقيم بغير إرادة أبنائه، وبوجود مؤسسات استمدت مشروعيتها الرَّاسخة من الدستور، والقانون، والمصلحة الوطنية العليا.

وأكد أن امتداد أثر الثورة يلامس الشَّرايين السياسية، والإدارية، والاجتماعية، والتعليمية، والخدمية، وجعل منها مشروعاً وطنياً متكاملاً، يستعصي على الاختزال في مجرَّد حدث عسكري، بل امتد ليكون صرحاً حضارياً شاملاً، فقد اقترنت مرحلة ما بعد التَّحرُّر بتوسيع حضور الدولة في التفاصيل اليومية للمواطنين، وتشييد المؤسسات على قواعد وثيقة، وإفساح المجال أمام أطياف المجتمع للمشاركة الحقيقية في إدارة الشأن العام، فضلاً عن تثبيت قواعد العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، ومن هذا المنظور الشَّامل، فإن الاحتفاء بذكرى أكتوبر - بحسب الداؤودي - ينبغي ألَّا يقتصر على استدعاء صور الماضي ووقائعه، إنَّما يستوجب تمثُّل القيم السامية التي صنعت الملحمة: السِّيادة، والاستقلال، والعدالة، ووحدة الإرادة الوطنية.

ويضع الداؤودي، المشهد الرَّاهن الذي يمر به اليمن في سياق اختبار مصيري لهذه المكتسبات.. موضحاً أن انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية، على الدولة ومؤسساتها، لم يكن صراعاً سياسياً طارئاً، بل أفضى إلى تجريف البنية المؤسسية، وتعطيل عجلة التنمية، وإثقال كاهل المجتمع بتبعات الحرب، والانقسام الاقتصادي والاجتماعي، كما أن التَّصعيد العسكري الحوثي المتواصل يلتهم الموارد الإستراتيجية، ويؤخِّر فرص التعافي والنهوض، ويزيد من معاناة المواطنين، ممَّا يجعل استعادة انتظام مؤسسات الدولة شرطاً وجودياً ولازماً، لأي معالجة سياسية أو اقتصادية أو خدمية مستدامة.

وشدَّد على أن استعادة الدولة، تمثِّل اليوم الامتداد الطبيعي والمباشر للمشروع الوطني، الذي نادت به ثورة 14 أكتوبر، وأن الدفاع عن حياض الجمهورية لا ينفصل بحال عن صيانة مؤسساتها، وحماية نظامها القانوني، وتوحيد إرادتها السياسية.. قائلاً " إن مقتضيات المرحلة الحالية، تفرض توحيد الصف الوطني، وتغليب المصلحة العامة، وإسناد مؤسسات الدولة والسلطات المحلية، وتهيئة المناخ الملائم للتعافي، وإعادة الإعمار، فيما روح ثورة 14 أكتوبر، ستظل أكثر إشراقاً حين تتحوَّل قيمها إلى سلوك يومي في الإدارة، والسياسة، وخدمة المواطن، وحين يصبح بناء الدولة، فعلاً مستمراً، لا شعاراً موسمياً".

الثورة تحوُّل إنساني ومسؤولية دولة:

وأكد مدير عام مكتب محافظ محافظة لحج بسَّام قاسم، أن النَّواة الصَّلبة لثورة 14 أكتوبر 1963م، تستند مباشرة إلى ما أحدثته من تحوُّل جذري في فلسفة الدولة، إذ ارتقت بالمفهوم، من سلطة سياسية مجرَّدة، إلى مسؤولية إنسانية أخلاقية، تجعل خدمة المواطن وتلبية احتياجاته الأساسية في صدارة الأولويات، فالثورات - في نظره - لا تُقَاس عظمتها بما تحرزه في مضامير السياسة فحسب، إنَّما بمدى ما تتركه في حياة الناس من فرص متكافئة للتعليم، والرعاية الصحية، والعمل، وما تؤسِّسه من بنيان مؤسسي قادر على إدارة الشَّأن العام بقدر أعلى من العدل والانتظام، ولذلك، ارتبطت الثورة في الوعي الجمعي بفكرة صياغة مجتمع جديد، تترسَّخ فيه مظلَّة الخدمات العامة، وتتأكَّد عبره مسؤولية الدولة تجاه رعاياها.

ولفت إلى أن القطاعات الخدمية والاجتماعية، كانت الميدان الحي الذي تبدَّت فيه المنجزات الوطنية بصورة ملموسة، عبر التَّوسُّع الفعلي في نشر التعليم، وتطوير الرعاية الصحية، وتنظيم الإدارة العامة، وبناء التجهيزات الأساسية، وإيجاد الأُطُر المؤسسية الضَّامنة لاستقرار المجتمع، ومع تباين الظروف والتَّحوُّلات الإمكاناتية بين زمن وآخر، ظلَّ جوهر تلك التجربة ثابتاً، فالتنمية ليست ترفاً هامشياً، بل تحسين معيشة الإنسان وظيفة أصيلة في عمق وجود الدولة، ومن هذا المنطلق، وفي ذكرى الثورة، ينظَر إلى الخدمة العامة باعتبارها أسمى صور الوفاء لتضحيات الشهداء الذين بذلوا أرواحهم صوناً لمشروع التَّحرُّر.

وأشار بسَّام، إلى أن الانقلاب الحوثي، ألقى بظلاله القاتمة على هذا المسلك الحيوي، فقد تسبَّبت الحرب في إنهاك جسد الدولة المؤسسي، وشح الموارد، وتعقيد حركة المواطنين والموظفين، وتضخم الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب الضغوط الهائلة التي فرضتها موجات النزوح، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنية التحتية، كما أن استمرار التَّصعيد العسكري الحوثي، يستنزف الطَّاقات التي كان حريَّاً أن تُوَجَّه نحو المدارس، والمستشفيات، وشبكات المياه، والطرقات، ممَّا يضع السلطات المحلية أمام تحدِّيات جِسام في ظل موارد شحيحة ومحدودة.

وأكد أن أن صيانة مكتسبات الثورة في بُعدها الاجتماعي، تعني صيانة حق الإنسان في خدمة عامة كريمة ومستقرَّة، وإن تعافي الدولة لا ينطلق من الميدان السياسي وحده، وإنَّما يتبرعم من فصول المدارس، وأروقة المستشفيات، وشبكات الطرق، وكل ثغرة يشعر فيها المواطن بظل الدولة الحامي .. مختتماً بالقول " إن ضمير ثورة 14 أكتوبر، سيظل نابضاً بالحياة ما دام الشعب قادراً على ترجمة قيمها، إلى عدالة في تقديم الخدمة، وأمانة في الإدارة، ورعاية حقيقية للإنسان".

تأسيس الجهاز الإداري عماد التَّحرُّر:

ويرى مدير مكتب الخدمة المدنية والتأمينات بمحافظة لحج، محمَّد مَدَس، أن ثورة 14 أكتوبر، أرست اللَّبِنَات الأولى لبناء الجهاز الإداري للدولة، صرحاً مؤسسياً لا ينفك عن صميم مشروع التَّحرُّر الوطني، فالسِّيادة الوطنية، والقرار المستقل، يتطلَّبان وجود مؤسسات منتظمة تُدِير العجلة الإدارية، وموظف عام يمتثل لسيادة القانون، وأنظمة عادلة تحمي الحقوق الوظيفية، وتنظم العلاقة بين المواطن والمؤسسة، ومن هذا الإطار، إنَّما يُعَدُّ قطاع الخدمة المدنية والتأمينات، الركيزة الأساسية التي يستند إليها هيكل الدولة الحديثة، والمعيار الدَّقيق الذي تُقَاس به قدرة المؤسسات، على أداء وظائفها بإنصاف وانضباط.

وأشار إلى أن التَّطوُّر التاريخي للجهاز الإداري والخدمة العامة، أثمر في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتوفير الكفاءات الوطنية لإدارة دفَّة التعليم، والصحة، والإدارة، والخدمات، فضلاً عن صياغة أنظمة التقاعد والتأمينات التي تكفل الاستقرار الوظيفي والاجتماعي.. مؤكداً أن هذه المنظومة تشكِّل زاوية رئيسة من مكاسب الثورة التي يجب التَّعاطي معها بوصفها حقوقاً مكتسبة تراكمت عبر عقود من الكفاح، بل هي مكتسبات غير قابلة للتَّعطيل، أو الاهتزاز مع تقلب الظروف، ولذلك، فإن استحضار ذكرى ثورة 14 أكتوبر، يستوجب تعزيز قيمة المؤسسة، والانضباط القانوني، والمساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات.

وقال " إن انقلاب الميليشيات الحوثية، وما تمخَّض عنه من انقسام مؤسسي وحرب طويلة، في صدارة العوامل التي أربكت انتظام منظومة العمل الإداري والوظيفي، فقد حمَّل هذا الانقسام الموظفين أعباءً جِساماً، وزعزع آليات إدارة الموارد البشرية، وأضعف إمكانات المؤسسات على التَّخطيط التنموي، ناهيك عن الآثار الاقتصادية العاصفة، التي طالت أوضاع العاملين وأُسَرهم، كما أن الحرب الحوثية، استنزفت مقدِّرات الدولة، وأخَّرت إعادة هيكلة جهازها الإداري، في حين يظل استمرار المؤسسات في تقديم خدماتها شرطاً أساسياً لاستعادة الثِّقة العامة، وتثبيت أركان الاستقرار".

وشدِّد على أن إصلاح الخدمة المدنية، ليس إجراءً شكلياً، بل يتطلَّب إعادة الانضباط للمؤسسات، وتحديث قواعد البيانات، وضبط النَّفقات، وحماية المال العام، وتكريس مبادئ الكفاءة، والاستحقاق، وصيانة حقوق الموظفين والمتقاعدين، والمؤمَّن عليهم، من مرتبات، وتسويات، وعلاوات، وفقاً لأحكام القانون .. معتبراً أن هذه المهمَّة الوطنية، هي الامتداد العملي لمشروع بناء الدولة الذي أطلقته ثورة 14 أكتوبر، وأن استعادة الدولة، تبدأ من إعادة الاعتبار للمؤسسة، وللموظف العام، وللقاعدة القانونية، التي تحكم العمل الإداري.. قائلاً " إن الدولة القوية، لا تتحدَّد بقوَّة قرارها فحسب، بل بقدرتها على إدارة هذا القرار عبر مؤسسات مستقرَّة، وموظفين ينهضون بواجباتهم، في نطاق جلي من المسؤولية، والحقوق".

صيانة الجغرافيا واستدامة الموارد البيئية:

يرى مدير عام فرع الهيئة العامة لحماية البيئة بمحافظة لحج، المهندس فتحي الصُّعُو، أن ثورة 14 أكتوبر لم يقتصر أثرها على مقاومة الوجود الاستعماري فقط، وإنَّما امتد إلى إرساء مفهوم السِّيادة الكاملة على الأرض وثرواتها الطبيعية، إذ لا تكتمل معاني التَّحرُّر الوطني، إلَّا بصيانة البيئة التي يحيى عليها الإنسان، والحفاظ على مقدِّراتها من التَّدهور والاندثار.. مؤكداً أن الأرض التي خُضِّبَت بدماء الشهداء، وأينعت بحريتهم، تشكِّل الأمانة الكبرى، التي تستوجب النهوض بمسؤولية حمايتها، وجعل صيانة بيئتها وتنوُّعها الحيوي، جزءاً أصيلاً من بناء الدولة الوطنية الحديثة.

وأضاف المهندس فتحي " أن حماية البيئة بمحافظة لحج - الغنية بتعدُّدها التضاريسي والزراعي والساحلي - تتجاوز الفهم التقليدي المقتصر على مكافحة التَّلوُّث، لترتقي إلى كونها إستراتيجية تنموية شاملة، تستهدف الحفاظ على المحميات الطبيعية، والحد من التَّصحُّر، وصيانة المياه الجوفية، والغطاء النباتي، فضلاً عن نشر الوعي البيئي بين القواعد المجتمعية.. وينظر إلى أن الرعاية البيئية، هي الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة، فالاستثمار في سلامة البيئة هو استثمار مباشر في صحة المواطن، واستقرار المجتمعات المحلية، وديمومة الموارد الحيوية، التي تعتمد عليها الأجيال القادمة.

ولفت إلى أن سنوات الحرب الممتدة، والانقلاب الحوثي، أحدثا جراحاً غائرة في الجسد البيئي للوطن، بيد أنها سبَّبت حالة الانقسام، وتعطيل مؤسسات الدولة في تفاقم الانتهاكات البيئية، وارتفاع معدَّلات الاحتطاب الجائر، والتَّلوُّث البلاستيكي والصناعي، ناهيك عن المخاطر الكارثية الناجمة عن زراعة الألغام العشوائية، التي حوَّلت مساحات واسعة، من الأراضي الزراعية والرعوية، إلى أراضٍ معطَّلة ومصدر خطر دائم على السكان والدواب، كما أن شح الموارد والإمكانات يضاعف المشقَّة أمام الأجهزة المختصَّة في فرض الرقابة البيئية، وإنجاز برامج التعافي والتأهيل.

وأكد المهندس فتحي، أن حماية مكتسبات ثورة 14 أكتوبر، في حقل البيئة تقتضي مأسسة العمل البيئي، وتعميق الشراكات مع الجهات الدولية والإقليمية والمحلية، وإدراج المعايير البيئية في خطط التعافي وإعادة الإعمار كافة.. ويرى أن صيانة البيئة، تُعَدُّ امتداداً حيَّاً لنضال الآباء والأجداد، فالذود عن تراب الوطن، لا يقف عند الحدود السياسية والعسكرية، بل يمتد ليشمل حماية النسيج الطبيعي والبيئي لليمن، وأن القيم التَّحرُّريَّة لثورة 14 أكتوبر متألِّقةً، حين تتكامل الجهود الرسمية والشعبية، لصيانة جغرافيا الوطن، وجعل البيئة النَّظيفة والآمنة، عنواناً للرَّخاء، ورمزاً لبناء الدولة المستقرَّة.