من أصوات القصف إلى أرق الليل.. سنوات الصراع تترك آثارها في الذاكرة والمشاعر، وملايين اليمنيين يواجهون ضغوطاً نفسية في ظل محدودية خدمات الرعاية المتخصصة.
لا تترك الحروب وراءها مباني مدمرة وطرقات متضررة وأرواحاً فقدت حياتها فحسب؛ فهناك خسائر أخرى لا تُرى بالعين المجردة، تتسلل إلى نفوس الناجين، وتستقر في ذاكرتهم، وتعيد تشكيل علاقتهم بالحياة والمستقبل. إنها الآثار النفسية للحرب، حين يتحول الخوف من استجابة عابرة للخطر إلى حالة من الترقب والقلق قد ترافق الإنسان حتى في لحظات الهدوء.
في البيئات التي تطول فيها النزاعات، يصبح انتظار الأخبار السيئة جزءاً من الروتين اليومي. يتفقد الآباء أبناءهم بقلق، وتخشى الأمهات من أصوات الطائرات والانفجارات، ويجد الأطفال صعوبة في فهم ما يحدث حولهم، فيما يعيش آخرون تحت ضغط فقدان الأحبة أو النزوح أو انعدام الاستقرار المعيشي.
ولا تنحصر هذه المعاناة في لحظة وقوع القصف أو المواجهات؛ فقد تمتد إلى ما بعدها، عبر اضطرابات النوم، وضعف التركيز، وسرعة الانفعال، والخوف من تكرار التجارب المؤلمة، وصعوبة التخطيط للمستقبل.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن معظم المتضررين من حالات الطوارئ يمرون بضائقة نفسية بدرجات متفاوتة، تشمل القلق والحزن واضطرابات النوم والتعب وسرعة الانفعال. وقد تتحسن هذه المشاعر لدى كثيرين بمرور الوقت، بينما تتطور لدى آخرين اضطرابات تستدعي رعاية متخصصة.
اليمن.. أرقام تكشف حجم المعاناة الخفية
في اليمن، حيث امتد الصراع لأكثر من عقد، لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على الخسائر البشرية والدمار والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية؛ بل باتت الصحة النفسية أحد الملفات الإنسانية التي تستدعي اهتماماً أكبر، في ظل تراكم التجارب الصادمة ومحدودية فرص الحصول على العلاج والدعم المتخصص.
وفي تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في 8 يناير 2024، أفادت بأن نحو سبعة ملايين شخص في اليمن، أي قرابة ربع السكان وفق تقديرها آنذاك، يعانون صدمات نفسية وضغوطاً مرتبطة بالصراع، مشيرة إلى أن نحو 120 ألف شخص فقط كانوا يحصلون بصورة منتظمة على الخدمات.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات النفسية المقدرة وإمكانية الوصول إلى الرعاية. وهي تقديرات منشورة في ذلك التاريخ، وليست إحصاءات محدثة لعام 2026، كما أن المعاناة النفسية لا تعني بالضرورة أن جميع المتأثرين يعانون اضطرابات تستلزم التشخيص الطبي.
وتتضاعف صعوبة التعامل مع هذه الاحتياجات عندما تتزامن المخاوف الأمنية مع الفقر وفقدان مصادر الدخل والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية. فالشخص الذي يخشى على حياته وأسرته، ويكافح في الوقت نفسه لتأمين الغذاء والسكن والدواء، يواجه ضغوطاً متداخلة لا يمكن فصل آثارها النفسية عن ظروفه المعيشية.
وهكذا، تتحول الحرب إلى تجربة ممتدة لا تتوقف آثارها بالضرورة عند انحسار المواجهات؛ إذ قد تظل ذكرياتها ومخاوف تكرارها حاضرة في حياة من عاشوها.
الأطفال.. جيل يحمل آثار الصراع إلى المستقبل
من بين الفئات الأكثر عرضة لتداعيات الحرب النفسية الأطفال، الذين يواجهون أحداثاً تفوق في كثير من الأحيان قدرتهم على الفهم والاستيعاب. فالطفل الذي يفقد منزله أو ينفصل عن أحد والديه أو يشاهد مشاهد العنف قد لا يستطيع التعبير عن معاناته بالكلمات، لكنه قد يُظهرها في سلوكه ونومه وتحصيله الدراسي وعلاقاته بالآخرين.
وقد تتجلى هذه الآثار في الخوف المفرط، أو التعلق الشديد بمقدمي الرعاية، أو الكوابيس، أو الانطواء، أو سرعة الغضب، أو تراجع القدرة على التركيز والتعلم. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها تستدعي الانتباه، خصوصاً عندما تستمر أو تؤثر في الحياة اليومية للطفل.
وفي مارس 2025، حذرت اليونيسف من التداعيات العميقة التي خلّفها الصراع الممتد لأكثر من عقد في حياة الأطفال اليمنيين ومستقبلهم. كما أظهر تقريرها الإنساني الختامي لعام 2025 استمرار تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي في 15 محافظة يمنية، ضمن جهود حماية الأطفال والفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وتبرز هذه الجهود أهمية الدعم النفسي والاجتماعي في الاستجابة الإنسانية، لكنها لا تعني أن جميع الأطفال المتضررين يحصلون على الخدمات التي يحتاجون إليها، ولا تقدم وحدها صورة شاملة عن حجم الاحتياجات القائمة.
ولا تتوقف أهمية الدعم عند تخفيف الخوف الآني؛ فاستقرار الطفل وشعوره بالأمان وقدرته على مواصلة التعليم وبناء العلاقات الاجتماعية عوامل مؤثرة في تعافيه ونموه. وكلما طال الحرمان من هذه المقومات، ازدادت أهمية توفير بيئة آمنة ورعاية مناسبة تراعي احتياجاته النفسية والعمرية.
متى يتجاوز القلق حدود الاستجابة الطبيعية؟
ليس كل خوف مرضاً، ولا كل قلق علامة على اضطراب نفسي. فالخوف في بيئة غير آمنة استجابة إنسانية طبيعية، وقد يساعد الإنسان على الانتباه إلى المخاطر واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
لكن المشكلة قد تتجاوز حدود الاستجابة الطبيعية عندما يصبح القلق مستمراً وشديداً، أو يمنع الشخص من النوم وممارسة عمله والاهتمام بأسرته، أو تصاحبه ذكريات مؤلمة متكررة وتجنب للمواقف المرتبطة بالتجارب السابقة.
وفي هذه الحالات، يصبح التقييم المتخصص مهماً لتحديد طبيعة الأعراض ومدى تأثيرها في حياة الشخص، بدلاً من افتراض تشخيص معين بناءً على السلوك وحده.
وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو شخص واحد من كل خمسة أشخاص ممن عاشوا الحروب أو النزاعات خلال السنوات العشر الماضية قد يعاني أحد الاضطرابات النفسية، بما فيها الاكتئاب والقلق واضطراب الكرب التالي للرضح. وهذه نسبة عالمية لا تمثل إحصاءً خاصاً باليمن، لكنها توضح حجم التحدي النفسي الذي قد تخلّفه النزاعات المسلحة.
كما أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية قد تدفع بعض المتضررين إلى إخفاء معاناتهم أو تأجيل طلب المساعدة. وتزداد أهمية التوعية هنا لتأكيد أن طلب الدعم ليس ضعفاً، وأن الاستجابة للآثار النفسية للحرب جزء من الرعاية الصحية والإنسانية.
الرعاية النفسية.. احتياج لا يقل أهمية عن الغذاء والدواء
تتطلب مواجهة قلق الحرب استجابة تتجاوز النصائح الفردية إلى توفير خدمات متاحة ومستمرة، تبدأ بالدعم النفسي والاجتماعي في الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتمتد إلى الاستشارات والعلاج المتخصص لمن يحتاجون إليهما.
ويمكن للأسر المساعدة عبر الاستماع إلى مخاوف أفرادها، والمحافظة قدر الإمكان على الروتين اليومي، والحد من التعرض المتواصل للمشاهد الصادمة، وتقديم معلومات موثوقة ومناسبة للأطفال. كما قد يساعد التواصل الاجتماعي والنشاط البدني والحصول على قسط كافٍ من النوم في تخفيف بعض مظاهر الضغط النفسي.
لكن هذه التدابير لا تعوض الرعاية المهنية عند الحاجة، ولا تلغي مسؤولية المؤسسات الصحية والإنسانية عن توسيع نطاق الخدمات، وتوفير الكوادر المؤهلة، وتعزيز الإحالة إلى المختصين، ومراعاة احتياجات النازحين والأطفال والنساء والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية سابقة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية إدماج الدعم النفسي والاجتماعي في الاستجابة للطوارئ، خصوصاً أن الأزمات الإنسانية قد تزيد الاحتياجات في الوقت الذي تتعرض فيه الخدمات الصحية نفسها للتعطل ونقص الموارد.
وفي اليمن، تكتسب هذه الأولوية أهمية إضافية بسبب استمرار الضغوط الإنسانية والاقتصادية وتفاوت الوصول إلى الخدمات بين المناطق والفئات السكانية.
السلام واستعادة الأمان.. بداية التعافي
لا يمكن مطالبة الإنسان بالتغلب على قلق الحرب بينما تظل مصادر الخوف والتهديد قائمة، كما لا يمكن اختزال التعافي في قدرة الأفراد على الصبر أو التكيف مع ظروف غير مستقرة.
فاستعادة الطمأنينة ترتبط بتوفير الأمن، واستقرار الحياة المعيشية، وإعادة بناء الخدمات الأساسية، وإتاحة الرعاية الصحية والنفسية، وإيجاد بيئة تتيح للأسر والأطفال استعادة قدر من الاستقرار والثقة بالمستقبل.
وقد تتوقف أصوات الأسلحة، لكن آثار التجارب الصادمة قد تستمر لدى بعض الناجين، بما يجعل الدعم النفسي والاجتماعي جزءاً من التعافي طويل الأمد، لا إجراءً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الطوارئ.
إن الحرب لا تترك جراحها على الأجساد وحدها؛ فبعضها يستقر في الذاكرة، وبعضها يظهر في الأرق والخوف والتوجس، وبعضها ينعكس على قدرة الإنسان على العمل والتعلم والتواصل مع الآخرين.
وفي اليمن، تضع البيانات المنشورة عن الاحتياجات النفسية، إلى جانب استمرار برامج الدعم للأطفال، قضية الصحة النفسية أمام مسؤولية إنسانية تستوجب مزيداً من الاهتمام والتوثيق والاستجابة.
فالتعافي الحقيقي لا يعني مجرد النجاة من الحرب، بل استعادة القدرة على العيش دون أن يظل الخوف حاضراً في كل تفصيل، وأن يتمكن الإنسان من النظر إلى المستقبل باعتباره مساحة للأمل والعمل، لا مصدراً دائماً للقلق والترقب.