استوقفتني واقعة استقالة وزير الداخلية الفرنسي و التي رفضت لمجرد انتقادات حادة طالته بسبب تعامله مع احتجاجات الغلاء في بعض المدن الفرنسية؛ موقف يسير يعكس مفهومًا حيًا للمسؤولية الأخلاقية وحساسية إنسانية عالية تجاه هيبة الخدمة العامة، حيث يغدو التنحي الشجاع خيار الشرفاء عندما يشعرون بالتقصير تجاه كرامة مواطنيهم.
غير أن الصورة في الواقع السياسي اليمني تتخذ منحنى سينيكيًا مأساويًا يتجاوز السخرية السوداء؛ فبينما تحرك مرارة الأسعار الشارع الفرنسي لتطيح برؤوس المسؤولين، يرزح المواطن اليمني تحت وطأة كوارث تتجاوز الغلاء إلى انعدام الحياة نفسها، من انهيار مريع للعملة وانقطاع للرواتب إلى شلالات دماء لا تتوقف، دون أن يهتز لرجالات السلطة جفن أو يستحث عروقهم حياء للترجل.
يتجلى هذا التبلد القيادي بأبشع صوره حين تسقط مديريات كاملة في لحظات خاطفة، ويرتقي مئات الشباب ضحايا للتخبط والغباء الميداني، بينما يكتفي القادة بالطلوع الشاهق عبر الشاشات ليزفوا للشعب خطب الانتصارات الوهمية من داخل أبراجهم العاجية. تكمن الفاجعة الإنسانية هنا في أن الضحايا والنازحين والشهداء يستحيلون في عرف السياسي مجرد أرقام عابرة لا تستدعي حتى مجرد تعديل وضعية جلوسه على كرسيه الوفير.
يبدو أن الكرسي في بلادنا ليس وظيفة تكليف بل هبة ملكية وعقد أبدي لا تنتهي صلاحيته إلا بفناء الكوكب، إذ نشأت علاقة اندماج عضوي غريبة تتجاوز الحب السياسي إلى الالتحام الجسدي، بحيث يحتاج انتزاع المسؤول من منصبه إلى جراحة قيصرية معقدة وقرارات أممية صارمة. وإذا ما جَرُؤ أحد على التلميح بكلمة استقالة -تلك الكلمة الأجنبية التي تحتاج في قاموسنا إلى ترجمة وفتوى- سارع بالحديث النفعي عن "الظروف الاستثنائية" التي تمنعه من التخلي عن الوطن، وكأن هذه الظروف لم تولد وتستفحل إلا بسبب وجوده هو بالذات!
إن المنظومة الإدارية السائدة لا تكتفي ببدعة حماية الفاشلين، بل تحول الكوارث والنكبات إلى مؤهلات عليا للترقية وسير ذاتية فاخرة تضمن لصاحبها الانتقال إلى مناصب أرفع بموازنات أكبر ورعاية أوسع، ارتقاءً لممارسة أخطاء أكثر فخامة وتدميرًا. وطالما أن النجاح يُقاس بقدرة الفرد على الصمود فوق أوجاع الناس، وأن دماء الأبرياء لا تحرك ضميرًا ولا تقلق مضجعًا، فسيظل الوطن يستنزف أرواحه وأماله ليدفع ثمن بقاء حكومات محصنة ضد المساءلة والمحاسبة، ولتبقى الاستقالة فضيلة غربية غائبة في جغرافيا يعاقب فيها الضمير ويُكافأ فيها الفشل.