آخر الأخبار
مشهد يهز اليمن.. أم تحمل جثمان ابنتها معلمة القرآن على ظهرها عبر الجبال بعدما قتلها الحوثيين في تعز   •   الأمين العام للمجلس المحلي بالمهرة يلتقي قيادة جامعة المهرة ويناقش أوضاعها المالية   •   اجتماع أمني موسع بأبين ضم وفد وزاري يقر خطة طوارئ وحزمة إجراءات صارمة   •   الشيخ أنور العمري يتفقد جرحى القوات المسلحة ومستوى الخدمات الطبية بمستشفى عبود العسكري   •   الداخليـة تـزور شرطـة الضالـع وتتعهـد بتذليـل عقبـات العمـل الأمنـي   •   عتق تشيّع 75 شهيدًا من الأمن ضحايا هجوم الحوثي على معسكر العلم ..والمحافظ بن الوزير :دماؤهم أمانة وطنية .   •   لجنة الطوارئ بمكتب الشباب والرياضة تعزز جاهزية الشباب والكشافة لمواجهة الطوارئ   •   ويتكوف: المحادثات مع بوتين بنّاءة   •   الحوثيون يسيطرون على مواقع وأحياء مهمة داخل مدينة تعز   •   الحوثيون يفجرون منزل قائد المقاومة في الصبيحة وينهبون منازل الأهالي حتى أبواب الأحواش   •  
أخبار محلية

من أوصل اليمن إلى هذا المصير؟ أخطاء لا تُغتفر ومراجعة لا تحتمل التأجيل

المنتصف نت- المنتصف نت 21/10/2026 19:52 410 مشاهدة
من أوصل اليمن إلى هذا المصير؟ أخطاء لا تُغتفر ومراجعة لا تحتمل التأجيل

قرأت اليوم افتتاحية صحيفة عكاظ السعودية، ووجدتني أتفق مع كثير مما ورد فيها؛ لأنها لامست جوهر الأزمة اليمنية، وأكدت ما حذرنا منه منذ سنوات: أن استمرار السياسات الخاطئة، ورفض الاعتراف بالنتائج، وتحويل النقد إلى تهمة، لن يقود إلى استعادة الدولة، بل إلى إطالة الحرب وتوسيع دائرة الانهيار.

ولأن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملات أو الخطاب الإنشائي، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو: كيف وصل اليمن إلى هذا المصير؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج التي نعيشها اليوم؟

أولًا: كيف بدأت الأزمة؟

لم تبدأ مأساة اليمن بقرار واحد، ولم تكن نتيجة عامل منفرد. فقد تراكمت أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، ثم جاءت سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، وما تلاها من انهيار مؤسسات الدولة، وتعطيل العملية السياسية، وتوسع المواجهات المسلحة، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع.

وفي مارس 2015، بدأ تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، بناءً على طلب الرئيس عبدربه منصور هادي، وتحت شعار معلن هو دعم الشرعية واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. وبالتوازي، جرى تدويل الأزمة عبر قرارات مجلس الأمن، ومن أبرزها القرار 2216 الصادر تحت الفصل السابع.

كان الهدف المعلن واضحًا: إعادة مؤسسات الدولة، إنهاء سيطرة الحوثيين، وتوحيد اليمن تحت سلطة شرعية واحدة. غير أن تقييم النتائج لا يكون بالشعارات، بل بما تحقق على الأرض بعد سنوات من الحرب.

ثانيًا: بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية

بعد سنوات من العمليات العسكرية، لم تُستعد صنعاء، ولم تُوحَّد مؤسسات الدولة، ولم يتشكل جيش وطني واحد قادر على فرض سلطة الحكومة في مختلف المناطق. بل حدث العكس في جوانب كثيرة:

• تراجعت مؤسسات الدولة وتعددت مراكز القرار.

• انقسمت القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية بين ولاءات مختلفة.

• تدهورت العملة والاقتصاد والخدمات العامة.

• اتسعت رقعة الفقر والنزوح والبطالة.

• تضررت المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء.

• تعمقت الانقسامات المناطقية والمذهبية والسياسية.

• أصبح اليمن ساحة مفتوحة لتضارب الأجندة الإقليمية والدولية.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن اليمن شهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين المحتاجين إلى المساعدات، وملايين النازحين، وتراجع حاد في الأمن الغذائي والخدمات الأساسية. وهذه ليست أرقامًا مجردة، بل نتائج مباشرة لحرب طويلة، واقتصاد منهك، وانقسام مؤسسي، وسياسات لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة.

ثالثًا: إفراغ الداخل من قياداته

من الأخطاء الكبرى التي رافقت إدارة الأزمة إخراج عدد كبير من المسؤولين والقيادات العسكرية والمدنية والسياسية إلى الخارج، بما في ذلك قيادات الأحزاب، وأعضاء مجلسي النواب والشورى، وأعضاء الحكومة، والمشايخ والأعيان والإعلاميون.

كان يفترض أن يكون الخارج مركزًا لدعم الداخل سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وأن تعمل القيادات الموجودة فيه على بناء مشروع وطني موحد. لكن ما حدث عمليًا هو نشوء قيادة بعيدة عن المجتمع، منفصلة عن تفاصيل حياته اليومية، بينما تُرك الداخل يواجه الحرب والانهيار والفراغ السياسي.

ومع مرور الوقت، تحولت الإقامة في الخارج من وضع مؤقت فرضته ظروف الحرب إلى واقع سياسي دائم، وأصبح جزء من القرار اليمني يُتخذ بعيدًا عن المؤسسات الوطنية وعن الرقابة الشعبية. كما ارتبطت بعض القيادات بالمخصصات والمناصب والامتيازات، الأمر الذي أضعف استقلال القرار، وحوّل الخلافات السياسية إلى صراع على النفوذ والموارد.

كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة بين المواطنين والقيادات، وإلى شعور واسع بأن اليمنيين في الداخل يدفعون ثمن الحرب، بينما تُدار شؤون البلاد من خارجها.

رابعًا: بدل توحيد القوى جرى تكريس الانقسام

كان الهدف المفترض من دعم الشرعية هو بناء سلطة وطنية موحدة وجيش وطني واحد. لكن الواقع أظهر تعدد القوى العسكرية والسياسية، وتضارب الولاءات، وتنافس المشاريع.

ففي مناطق مختلفة، ظهرت تشكيلات مسلحة لا تخضع عمليًا لقيادة عسكرية وطنية موحدة، بل ترتبط بقيادات محلية أو بداعمين إقليميين. كما نشأت مراكز نفوذ متوازية، لكل منها حساباته وأولوياته، حتى داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

وبدل أن تكون المعركة موجهة نحو هدف واحد هو استعادة الدولة، أصبحت الأولويات متباينة:

• طرف يركز على مواجهة الحوثيين.

• طرف يركز على مشروع الانفصال.

• طرف يسعى إلى توسيع نفوذه في مناطق استراتيجية.

• طرف يراهن على التفاهمات الإقليمية.

• طرف يستخدم الشرعية غطاءً سياسيًا دون أن يمتلك مشروعًا وطنيًا متكاملًا.

وهكذا تحولت الشرعية من إطار جامع إلى ساحة تنافس، وأصبح الخلاف بين مكوناتها أحيانًا أشد وضوحًا من خلافها مع الحوثيين.

خامسًا: مجلس القيادة الرئاسي ليس حلًا بمجرد تشكيله

جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 بوصفه محاولة لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثيين وتوحيد مراكز القرار. وكان الأمل أن يؤدي المجلس إلى إنهاء ازدواجية القيادة، وتوحيد القوات، وتفعيل مؤسسات الدولة، وإطلاق مسار سياسي وعسكري واضح.

لكن تشكيل المجلس وحده لم يكن كافيًا؛ لأن المشكلة لم تكن في غياب الأسماء، بل في غياب التوافق الحقيقي على مشروع وطني، وفي استمرار تعدد الولاءات ومراكز القوة. فالمجلس ظل محكومًا بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة، ولم تتحول عضويته إلى قيادة موحدة على الأرض، كما لم تُحسم قضية توحيد القوات والمؤسسات.

والنتيجة أن الانقسام انتقل من الساحة السياسية إلى داخل مؤسسات يفترض أن تكون عنوانًا للوحدة، الأمر الذي زاد من ارتباك المواطن، وأضعف قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة ونافذة.

سادسًا: القرار اليمني بين التبعية والتعطيل

من أخطر مظاهر الأزمة أن المبادرات اليمنية كثيرًا ما أصبحت مرتبطة بموافقة الأطراف الخارجية. فكل دعوة إلى الحوار، أو توحيد الصف، أو إعادة ترتيب المؤسسات، أو معالجة الخلافات، يمكن أن تتعطل إذا تعارضت مع مصالح القوى النافذة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يملك اليمنيون قرارهم السياسي والعسكري فعلًا؟

إن استمرار اعتماد القوى اليمنية على الدعم الخارجي لا يعني بالضرورة التخلي عن العلاقات الإقليمية، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول الدعم إلى وصاية، وعندما تصبح المناصب والموارد والقرارات أدوات لاستقطاب القيادات، وعندما يُكافأ الولاء الخارجي أكثر مما تُكافأ الكفاءة والوطنية.

لقد أدى هذا الوضع إلى إضعاف المؤسسات، وإلى جعل كثير من القيادات تتحرك وفق حسابات متعددة، لا وفق رؤية وطنية واحدة. كما جعل المواطن يشعر بأن مصيره لا يُقرر في صنعاء أو عدن أو تعز أو حضرموت، بل في غرف تفاوض خارج الحدود.

سابعًا: من استفاد من الانقسام؟

النتيجة الأكثر وضوحًا أن الحوثيين استفادوا من انقسام خصومهم. فكلما تعددت القوى المناهضة لهم، وتضاربت أهدافها، وتصارعت على النفوذ، تمكنوا من تقديم أنفسهم باعتبارهم الطرف الأكثر تماسكًا وتنظيمًا، رغم مسؤوليتهم المباشرة عن الانقلاب والحرب والانتهاكات.

لقد ساعد الانقسام على:

• إطالة أمد الحرب.

• تعطيل الحسم العسكري والسياسي.

• استنزاف الموارد والقدرات.

• إضعاف ثقة المواطنين بالمعسكر المناهض للحوثيين.

• منح الحوثيين وقتًا لبناء مؤسساتهم العسكرية والأمنية.

• تحويل الصراع من معركة لاستعادة الدولة إلى صراع بين مشاريع متعددة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: دخلت الحرب تحت شعار استعادة الدولة، لكن الدولة أصبحت أضعف، ومؤسساتها أكثر انقسامًا، وقواها العسكرية أكثر تشتتًا، بينما تمكن الحوثيون من تعزيز نفوذهم وترسيخ حضورهم.

ثامنًا: المسؤولية مشتركة لكنها ليست متساوية

الإنصاف يقتضي القول إن مسؤولية الكارثة اليمنية لا تقع على طرف واحد. فالانقلاب الحوثي كان السبب المباشر في إسقاط مؤسسات الدولة، والحوثيون يتحملون مسؤولية كبيرة عن القمع والانتهاكات وتدمير الحياة السياسية والعسكرية.

كما تتحمل القيادات اليمنية مسؤولية الفشل، بسبب الصراعات الداخلية، والفساد، وتقديم المصالح الشخصية والحزبية والمناطقية على المصلحة الوطنية.

لكن ذلك لا يعفي دول التحالف والقوى الإقليمية المؤثرة من مسؤوليتها عن نتائج السياسات التي اتبعتها. فالدعم الخارجي لا يُقاس بالنوايا، بل بالنتائج. وإذا أدت السياسات إلى إضعاف الدولة، وتفكيك القوى الوطنية، وتعدد الجيوش، وتعميق الانقسام، فإن مراجعتها تصبح واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا خيارًا قابلًا للتأجيل.

تاسعًا: ما المطلوب الآن؟

لا يحتاج اليمن إلى مؤتمر جديد لتوزيع المناصب، ولا إلى إعادة تدوير القيادات نفسها، ولا إلى بيانات عامة عن دعم الشرعية. المطلوب خطوات عملية واضحة، تبدأ من الداخل وتستند إلى حقائق الواقع:

1. إعادة الاعتبار للقرار الوطني اليمني، وإنهاء أي وصاية مباشرة أو غير مباشرة على المؤسسات.

2. توحيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت قيادة وطنية ومؤسسية واحدة.

3. وقف تمويل التشكيلات المتنافسة التي تعمل خارج إطار الدولة.

4. إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والقانون، لا على أساس الولاء الشخصي أو المناطقي.

5. إطلاق حوار يمني شامل لا يستثني القوى السياسية والاجتماعية، ولا يُدار بمنطق الإملاء.

6. معالجة القضية الجنوبية والقضايا الوطنية الأخرى عبر الحوار والضمانات السياسية، بعيدًا عن فرض الأمر الواقع.

7. تفعيل الرقابة على المال العام والمساعدات ومحاسبة المتورطين في الفساد.

8. دعم الاقتصاد والخدمات باعتبارهما جزءًا من معركة استعادة الدولة، لا ملفات ثانوية.

9. إعادة القيادات إلى الداخل وربط المسؤولية بالميدان والمجتمع.

10. اعتماد مسار سياسي واقعي يوقف الحرب ويضمن حقوق اليمنيين ويحافظ على وحدة البلاد وسيادتها.

الخلاصة: الاعتراف بالخطأ بداية الإنقاذ

إن الاعتراف بالأخطاء ليس إساءة إلى أحد، ومراجعة السياسات ليست خيانة للحلفاء، بل هي شرط أساسي لإنقاذ اليمن. أما الاستمرار في تبرير النتائج، وتحميل طرف واحد كامل المسؤولية، ورفض النقد، فلن يؤدي إلا إلى تكرار الفشل.

وأقولها بوضوح، من باب النصح لا الخصومة: إن دول التحالف، ومعها القيادات اليمنية، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن المسار الذي أوصل اليمن إلى هذا الوضع. فقد أُنفقت سنوات طويلة وموارد ضخمة، وخاض اليمنيون حربًا قاسية، لكن الهدف المعلن لم يتحقق، بينما تعمقت الانقسامات، وتراجعت الدولة، وتوسعت معاناة الناس.

لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، ومن إدارة الولاءات إلى بناء المؤسسات، ومن توزيع المناصب إلى استعادة الدولة، ومن الخطاب الإعلامي إلى القرارات العملية.

فالأوطان لا تُستعاد بتعدد الجيوش، ولا تُبنى بتضارب الولاءات، ولا تُحمى بالوصاية، بل بإرادة وطنية موحدة، ومؤسسات قوية، وقرار مستقل، ومراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء قبل أن يصبح تصحيحها مستحيلًا.

تحياتي.