في مشهد يعكس تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، اضطر أطباء إلى مغادرة العيادات والعمل في مهن أخرى لتأمين احتياجاتهم المعيشية، فيما كشفت منظمة النظام الطبي الإيراني أن أكثر من 50 ألف طبيب عام باتوا خارج دائرة المهنة، وسط اتساع الفجوة بين تكاليف الخدمات الطبية والعائدات التي يحصل عليها الأطباء.
وتجسد قصة الطبيب الإيراني أردشير هذه الأزمة، إذ تخرج في كلية الطب قبل ثلاث سنوات، وأمضى عامين في الخدمة الإجبارية، لكنه يعمل حاليا سائقا لسيارة أجرة في العاصمة طهران، بعدما وجد أن دخله من القيادة يفوق ما كان يحصل عليه من العمل الطبي، ويمنحه وقتا للتحضير لامتحان التخصص.
وقال أردشير إنه كان يعمل خلال فترة خدمته في مركز صحي جنوبي العاصمة، ويضطر إلى العمل مساء في عيادة وسط طهران لتغطية نفقات أسرته، غير أن ضعف الراتب والإرهاق حالا دون مواصلة دراسته التخصصية، قبل أن يقرر العمل في تطبيق للنقل الذكي بعد معرفته بأن أحد زملائه السابقين يحقق دخلا أعلى من راتبه الطبي.
وبحسب أردشير، يمكنه تحقيق نحو 10 ملايين ريال يوميا بعد خصم نفقات السيارة، وهو ما يجعله يفضل العمل سائقا في الوقت الحالي، رغم تمسكه بطموحه في أن يصبح جراحا وطبيبا متخصصا مستقبلا.
ونقلت «الجزيرة نت» عن رضا لاري بور، المتحدث باسم منظمة النظام الطبي الإيراني، أن أكثر من 50 ألف طبيب عام خرجوا من دائرة المهنة في البلاد، عازيا ذلك إلى عدم ارتفاع التعريفات الطبية بما يتناسب مع التضخم، واتساع الفجوة بين أسعار الخدمات الطبية والكلفة الفعلية لتقديمها.
وأوضح لاري بور أن التعريفات الطبية تقل عن المستوى الذي ينبغي أن تبلغه بنسبة تتراوح بين 400% و1000%، مقارنة بالمؤشرات الاقتصادية الحالية، مشيرا إلى أن ذلك دفع أطباء إلى ترك المهنة والاتجاه إلى قطاعات أخرى، مثل البناء والعقارات والتجارة، فيما اختار آخرون الهجرة إلى الخارج بحثا عن عائد يتناسب مع مؤهلاتهم.
وأضاف أن هجرة الأطباء المهنية والجغرافية شهدت تصاعدا خلال العقد الأخير، بالتزامن مع إغلاق عيادات ومراكز طبية لم تعد قادرة على الاستمرار اقتصاديا، محذرا من أن استمرار هذه الظاهرة قد يضعف قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الصحية، خصوصا في المناطق النائية.
وتتفاقم الأزمة مع زيادة الطاقة الاستيعابية لكليات الطب خلال السنوات الأخيرة، في وقت يواجه فيه القطاع هجرة عدد من خريجيه إلى الخارج، وسط مخاوف من اختلال التوازن بين أعداد الأطباء وفرص العمل المتاحة لهم.
وتسلط هذه التطورات الضوء على تداعيات التضخم وتراجع القدرة الشرائية في إيران، حيث لم تعد بعض المهن التي تحظى بمكانة اجتماعية مرتفعة، وفي مقدمتها الطب، تضمن لأصحابها دخلا كافيا لتغطية نفقات المعيشة، ما يثير مخاوف من انعكاسات الأزمة الاقتصادية على جودة الرعاية الصحية وقدرة المرضى على الحصول عليها.
المصدر: الجزيرة.