في مشهد استثنائي غير مسبوق، حولت تعز الحرب إلى عيد وطني، حيث تدفق تسونامي من الفيديوهات والأغاني والأهازيج ، على منصات التواصل، وتحولت شوارعها إلى متحف مفتوح للفخار الوطني والطقوس الجمهورية، وجدارية متعددة الطبقات من الحب والإخاء والوحدة الوطنية.
هكذا تتجلى العواصم، وهكذا تكون المدن الرسالية. فالفاشية الحوثية لا تنسحق فقط أمام مقاومي تعز، بل على كل الجبهات وعلى حدود الجغرافيا الجنوبية وأمام مقاتلين من لحج ويافع وشبوة ومأرب والضالع وأبين، وكل ذلك يُنسب عن طيب خاطر لتعز. تمالؤوا جميعاً على منحها كل الشرف وكل المعنى، وتنازلوا لها عن جزء من صنائعهم، حباً وعرفاناً، وأرادوا لها أن تكون البطل.
لقد تحولت تعز إلى غاليري كبير للشجاعة، وتفتحت لتكون بلاداً لكل اليمنيين. اقتنع أهل اليمن أنها رأس الحربة ودرة التاج ونواة الجمهورية. تعز.. الاسم الذي في صورة فعل، والفعل الذي لا يُجزم ولا يُجر، هي الابنة الكبرى للجمهورية والأخت الطيبة للعاصمتين.
هي قوية بكل هذا الحب القادم من خارج حدودها، بالأغاني الشبوانية والمأربية، بالمحتوى الذي يصنعه اليمنيون بكل اللهجات، بذاتها الصلبة التي رآها الجنوبيون حصنهم المنيع، ورآها الشماليون مدفع جمهوريتهم، ورآها المتدينون حارسة المعبد والمذهب، ورآها الفلاسفة والشعراء ناديهم الأخير، ورآها الساسة آخر شارع لهم.
لقد اختزلت المدينة كل ذلك، واستحقت الحب والدموع والدعاء، وجعلت من الحرب عيداً ومن الحصار مسرحاً وطنياً للإخاء والفداء والضحك والبكاء. مدينة لا تكفيها ألف قصيدة حب.