حين تتحول جغرافية الأوطان إلى رقعة شطرنج وتغدو الدماء سلعة في بورصة الصراعات، تتكشف أبشع صور المأساة. وما يشهده اليمن اليوم ليس سوى سقوط في فخ «الحروب بالوكالة»، حيث تحولت السيادة الوطنية إلى شعار للاستهلاك الإعلامي، بينما تقود الأجندات الخارجية مسار الصراع وتعبث بمصير البلاد.
بقراءة واقعية للمشهد، تتكشف تناقضات المشاريع المتصارعة؛ فمليشيا الحوثي ظلت رأس الحربة لمشروع ولاية الفقيه، متخذة من الشعارات الدينية غطاءً لتكريس الهيمنة الإيرانية على حساب الهوية العربية. وفي المقابل، غرقت الشرعية وداعموها في متاهات إدارة الأزمة بدلاً من حسمها، وباتت تدخلات التحالف ومواقف الأطراف الموالية له مصدراً للتساؤلات حول انسجام المصالح الإقليمية مع هدف إنقاذ الدولة.
ولو كانت المعركة وطنية خالصة لانتهت منذ سنوات، ولما استمر هذا الاستنزاف البشري والمادي. لكن الحقيقة المرة تتمثل في أن استمرار الحرب يكرس تبعية القرار اليمني، فيما يدفع المواطن ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل. لقد أفرز هذا العبث مأساة إنسانية اختُزل فيها الإنسان اليمني إلى أداة؛ فمن الزج بالشباب في متاريس الحوثيين تحت شعار «المشروع القرآني»، إلى تجنيدهم في صفوف الشرعية تحت شعار «استعادة الدولة»، تتشابه النتائج: دماء تراق، وشعب يجوع، وشعارات تخدم حصراً أمراء الحرب وتجار الأزمات بينما تنشغل القيادات بتعزيز مواقعها.
المخرج الحقيقي يبدأ حين يدرك اليمنيون أن معركتهم هي ضد المليشيا والاستغلال الخارجي معاً، وأن استعادة الدولة لا تتم بولاءات مستوردة ولا بمرتزقة يحاربون بالنيابة، بل بإرادة سياسية توحد الصف الجمهوري، وتتجاوز انقسامات الشرعية، وتضع مصلحة اليمن فوق حسابات المحاور.
اليمن ليس ورقة تفاوض ولا ملكاً لجماعة، وحمايته تبدأ من بناء مؤسساته لا بإطالة أمد حرب تخدم أعداءه وحدهم.
أخبار محلية
سقوط السيادة على مذبح الوكالة .. اليمن ضحية صراع الأجندات