وفق مخاوف سياسية وشعبية يمنية، دخلت الأزمة اليمنية منعطفاً إقليمياً شديد الحساسية عقب المحادثات الرباعية الرفيعة التي شهدتها العاصمة الإيرانية طهران في 26 أكتوبر 2026.
وجمعت الطاولة للمرة الأولى قادة حلف مكة الدفاعي (السعودية، تركيا وباكستان) مع القيادة الإيرانية.
ويأتي هذا الحراك الأمني في وقت تُشير فيه الإحصاءات والتقارير الميدانية إلى أن مليشيا الحوثي باتت تسيطر على ثلث مساحة اليمن الجغرافية وتتحكم بمصائر نحو ثلثي سكانه.
وتفرض هذه المعطيات تساؤلات مشروعة حاسمة حول مآلات اللقاء: هل يمهد الطريق لتفكيك ذراع طهران في اليمن، أم يسهم في تثبيت انقلابها كأمر واقع؟
هندسة الرباعية الأمنية في عاصمة القرار الإيراني
جاءت المبادرة بجهود وساطة مشتركة قادتها باكستان، ودولة قطر. وضم الاجتماع وزراء وقادة من العيار الثقيل؛ ترأس الوفد السعودي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بمشاركة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير. والتقى الوفد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
وأفادت وكالة رويترز نقلاً عن مسؤولين أمنيين بأن جدول الأعمال تركز على كبح التصعيد المتسارع في البحر الأحمر، ووقف الهجمات الصاروخية الحوثية التي عاودت استهداف المنشآت النفطية والمطارات المدنية السعودية عقب انهيار هدنة 2022.
وفي ختام اللقاء، أعلن أمين الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي التوصل إلى اتفاق مبدئي يقضي بأن أمن المنطقة يجب أن ينبع من داخلها وبواسطة دولها بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
المآل الأول.. سحب مظلة طهران وتعريّة الميليشيا داخلياً
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا الحراك الدبلوماسي يمثل استراتيجية سعودية لإحكام الطوق حول مليشيا الحوثي عبر الضغط المباشر على ممولها ومزودها الرئيس بالأسلحة.
وتتلخص التداعيات الإيجابية المحتملة على القضية اليمنية في:
• تجفيف الترسانة العسكرية؛ حيث تشير التقارير الاستخباراتية الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية (CFR) إلى أن بقاء الحوثيين يعتمد كلياً على الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيرة، والمعلومات الاستخباراتية اللحظية التي يقدمها الحرس الثوري الإيراني لاستهداف السفن والمنشآت. وأي تفاهمات تلزم طهران بوقف التوريد ستؤدي عملياً إلى شلل القدرات الهجومية للحوثيين.
• الردع الإقليمي الجماعي؛ حيث يمثل حلف مكة، الذي يضم قوة عسكرية قوامها 1.3 مليون جندي وناتج محلي يقترب من 3.3 تريليون دولار، جدار ردع صلباً يمنع الحوثيين من مواصلة الابتزاز. ويزيد من فاعلية هذا الجدار توجه البرلمان المصري لتفويض تقديم دعم عسكري مباشر للمملكة.
• الانكشاف الشعبي والاقتصادي؛ نزع المبررات "الإقليمية" وحصار تدفق السلاح سيجبر المليشيا على مواجهة الالتزامات الداخلية والشارع اليمني المنهك، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة الأخيرة إلى تصاعد أعداد النازحين جراء التصعيد الحالي إلى 281 ألف نازح، مما يضع مليشيا الحوثي في مواجهة مباشرة مع حاضنتها نتيجة الفشل الاقتصادي.
المآل الثاني.. هواجس الهدنة القسرية وتثبيت سلطة أمر واقع
في المقابل، تبدي أوساط سياسية يمنية مخاوف مشروعة من أن تنعكس نتائج اجتماعات طهران سلباً على تطلعات اليمنيين في استعادة دولتهم، استناداً إلى المحاذير التالية:
ـ فصل الملفات ومنح الشرعية الضمنية، حيث يكمن الخطر الأكبر في سعي الأطراف إلى صياغة اتفاق عدم اعتداء إقليمي يؤمن الملاحة الدولية في باب المندب ومضيق هرمز والحدود السعودية، مقابل ترك الداخل اليمني لقمة سائغة لتسلط الميليشيا.
ـ تلبية الشروط الحوثية الاستراتيجية، حيث تفيد مصادر دبلوماسية مطلعة لصحف غربية بأن الحوثيين يضغطون على الرياض عبر طهران لانتزاع تنازلات خطيرة، تشمل رفع القيود عن الموانئ والمطارات الخاضعة لهم، وإلزام الحكومة الشرعية بدفع مرتبات مقاتليهم من عائدات النفط اليمني. وتلبية هذه الشروط تعني عملياً مأسسة الانقلاب وتمويل بقائه مالياً وسياسياً.
ـ التقاط الأنفاس وإعادة التموضع، حيث يعيد التاريخ نفسه؛ إذ يستغل الحوثيون دائماً فترات الدبلوماسية الإقليمية لإعادة ترتيب صفوفهم.
ومؤخراً، استغلت المليشيا انشغال الإقليم لتنفيذ عمليات برية سيطرت خلالها على ميناء المخا وأجزاء من الساحل الغربي وجزر مضيق باب المندب.
توازن القوى الجديد.. الردع التركي ونظرة نحو المستقبل
في تطور لافت تزامن مع مباحثات طهران، كشفت مصادر أمنية عن طلب رسمي تقدمت به الرياض لإقامة وجود عسكري تركي دفاعي على الأراضي السعودية. ويهدف هذا الطلب إلى محاكاة النموذج القطري لتعزيز منظومة الردع ضد أي حماقات عسكرية قد يرتكبها الحوثيون في حال فشل المسار الدبلوماسي الرباعي.
وفي المحصلة... فإن محادثات طهران الرباعية وضعت انقلاب الحوثيين في قفص الحسابات الاستراتيجية الكبرى. فإما أن تفضي الضغوط المشتركة لحلف مكة إلى إجبار طهران على كبح جماح الميليشيا ودمجها في مسار سياسي ينهي تسلطها العسكري؛ أو أن تؤدي الصفقات الجزئية إلى منح المليشيا طوق نجاة جديداً، مما يطيل أمد معاناة اليمنيين تحت وطأة القمع والانقلاب العبثي.