أثار انعقاد مؤتمر للقبائل اليمنية في مدينة جنيف السويسرية لإطلاق ما يسمى ميثاق الشرف القبلي لحماية المدنيين موجة من الانتقادات والتساؤلات بشأن جدوى الفعالية وتوقيتها، ومدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في واقع الحرب والانتهاكات المتواصلة داخل البلاد.
واحتضن قصر الأمم المتحدة في جنيف، الخميس 29 أكتوبر، أعمال الإطلاق الرسمي للميثاق، بمشاركة نحو 100 زعيم وشيخ قبلي قيل إنهم يمثلون مختلف المحافظات اليمنية، في فعالية نظمها مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن ديكاف ، بهدف توحيد المبادئ القبلية لحماية المدنيين والحد من النزاعات الداخلية وتعزيز جهود السلام.
وتضمنت الوثيقة مبادئ تتعلق بحماية المدنيين واحترام الأسرى، وتفعيل الوساطات القبلية لتسوية النزاعات، وحماية دور العبادة والأسواق والمدارس والمستشفيات من أعمال العنف، إلى جانب التأكيد على العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين اليمن والمملكة العربية السعودية، واعتبار أمن اليمن والإقليم مصلحة مشتركة.
غير أن هذه الأهداف، التي تبدو في ظاهرها متصلة بحماية المجتمع اليمني من تداعيات الحرب، فتحت الباب أمام انتقادات واسعة، خصوصاً أن المؤتمر انعقد خارج البلاد، وفي قاعات دولية مكلفة، بينما لا تزال مناطق يمنية عدة تواجه القصف والحصار والنزوح، دون أن تتمكن الأعراف والوساطات القبلية طوال سنوات الحرب من فرض مواقف رادعة تجاه الانتهاكات التي ترتكبها ميليشيا الحوثي.
وتتركز أبرز التساؤلات حول ما إذا كان المؤتمر يمثل مبادرة قبلية حقيقية لحماية اليمنيين، أم فعالية جديدة تضاف إلى سلسلة المؤتمرات والمواثيق التي تنتهي بانتهاء كلماتها، دون أن تنعكس على حياة السكان، فضلاً عن غياب الوضوح بشأن آليات إلزام المشاركين بتنفيذ بنود الميثاق، ومدى تمثيلهم الفعلي للقبائل اليمنية في الداخل.
جنيف بدل تعز
الصحفي اليمني حمدان الرحبي انتقد انعقاد المؤتمر خارج اليمن، معتبراً أن اختيار جنيف لإطلاق ميثاق قبلي يثير مفارقة كبيرة، في الوقت الذي تحتاج فيه المدن اليمنية، وفي مقدمتها تعز، إلى تحرك دولي جاد لإنهاء الحصار وتخفيف معاناة السكان.
وتساءل الرحبي عن طبيعة التمثيل القبلي في المؤتمر، ومن يمتلك صلاحية إلزام قبائل مأرب وتعز وشبوة وصعدة وعمران وصنعاء بمخرجات وثيقة جرى الإعلان عنها في الخارج، في ظل وجود منظومة اجتماعية وقبلية متوارثة لها أعرافها وتسلسلها المعروف، يبدأ من شيخ القرية والضمان وينتهي بمشايخ القبائل.
واعتبر أن انعقاد مثل هذه اللقاءات بعيداً عن البيئة التي يفترض أن تستهدفها مخرجاتها يضعف من جدواها، خصوصاً مع غياب مؤشرات واضحة على أن المشاركين يمثلون فعلياً الامتدادات القبلية التي يتحدث الميثاق باسمها. كما أثار تساؤلات بشأن طبيعة الحضور، وما إذا كان يضم قيادات قبلية ذات ثقل وتأثير حقيقيين أم شخصيات محلية وإعلامية وناشطين.
وفي مقابل الإنفاق على السفر والإقامة والتنظيم، يرى الرحبي أن الأولوية كان ينبغي أن تتجه نحو حشد الدعم الدولي لمدينة تعز، وفك الحصار عنها، وتمويل المشاريع العاجلة في قطاعات الصحة والمياه والغذاء والإعمار وجبر أضرار الحرب، بدلاً من تنظيم مؤتمر لا تتضح انعكاساته العملية على الأرض.
نزاع قابل للتسوية القبلية
من جانبه، حذر الكاتب محمد القادري من أن بعض مضامين الميثاق، خصوصاً المتعلقة بدعم السلام والوساطات القبلية، قد تحمل تداعيات سياسية تتجاوز أهداف حماية المدنيين، معتبراً أن التعامل مع هذه المبادئ بمعزل عن طبيعة الصراع في اليمن قد يصب في مصلحة ميليشيا الحوثي.
وأشار القادري إلى أن معظم البنود الواردة في الوثيقة تمثل في الأصل امتداداً لأعراف قبلية يمنية معروفة، وليست مبادئ جديدة تستدعي عقد مؤتمر دولي لإقرارها، لكنه يرى أن الإشكالية تكمن في توظيف الدعوات العامة للسلام والوساطات دون تحديد المسؤولية عن الحرب والانتهاكات، أو تسمية الطرف الذي يواصل تقويض فرص التسوية.
ولفت إلى أن ميليشيا الحوثي، التي يتهمها برفض فرص السلام ونقض الهدن والاتفاقيات ومواصلة التصعيد العسكري في الجبهات، قد تستفيد من أي خطاب يدفع نحو إعادة إنتاج الوساطات والتهدئة دون معالجة أسباب الحرب وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
وبحسب القادري، فإن الخشية لا تتعلق بمبدأ الوساطة القبلية بحد ذاته، وإنما بتحويل القبيلة إلى طرف محايد بين الدولة وميليشيا مسلحة، بما قد يؤدي إلى إضعاف دورها في مساندة مؤسسات الدولة ومقاومة المشروع الحوثي، أو توظيفها للضغط باتجاه تسويات تمنح الجماعة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها.
أين القبيلة من سنوات
بدورها، طرحت الدكتورة نوال محسن، أستاذة كلية الإعلام بجامعة عدن، تساؤلات بشأن جدوى المؤتمر وتوقيته، معتبرة أن اليمنيين بحاجة إلى مواقف عملية تتناسب مع حجم المعاناة الإنسانية، لا إلى فعاليات جديدة تنتهي بانتهاء جلساتها.
وتساءلت محسن عن الأولويات التي كان ينبغي أن تحكم تنظيم المؤتمر، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وما إذا كان الأجدى توجيه تكاليف السفر والإقامة والتنظيم نحو دعم المتضررين وتخفيف معاناة المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بدلاً من إنفاقها على اجتماع خارج البلاد.
كما وضعت دور القبيلة أمام اختبار حقيقي، متسائلة عن موقعها من سنوات الانتهاكات والمعاناة، ولماذا لم تظهر مواقف قبلية فاعلة ومبكرة تحول دون استمرار نزيف الدم وتغول الجماعة الحوثية على المجتمع.
وترى محسن أن حماية المدنيين لا تتحقق بمجرد توقيع المواثيق أو إطلاق الشعارات، وإنما بإرادة حقيقية ومواقف شجاعة تترجم إلى إجراءات ملموسة، مشددة على أن اليمن لا يحتاج إلى وثائق إضافية بقدر حاجته إلى أفعال تحمي الإنسان وتوقف الانتهاكات.
غياب إدانة الحوثيين
وفي السياق ذاته، انتقد السياسي جابر محمد، ما وصفه بغياب إدانة انتهاكات ميليشيا الحوثي عن تجمع القبائل المنعقد في جنيف، متسائلاً عن موقف المشاركين من حصار تعز وتهجير المواطنين واستهداف المنشآت المدنية والعسكرية.
وأشار محمد إلى أن التجمع لم يتبنَّ، بحسب قوله، موقفاً واضحاً إزاء الانتهاكات الحوثية بحق القبائل، أو الحصار المفروض على تعز وتشريد سكانها، كما لم يتطرق إلى الاستهدافات المتكررة لمطار عدن الدولي والهجوم على المعسكر الأمني في شبوة، الذي قال إنه أسفر عن سقوط أكثر من 85 شاباً، فضلاً عن قصف المساجد.
وتضع هذه الانتقادات مخرجات المؤتمر أمام تساؤلات بشأن مدى شمولية مفهوم حماية المدنيين الذي رفعه المنظمون، خصوصاً أن الحديث عن حماية الأسواق والمدارس والمستشفيات ودور العبادة يفترض أن يقترن بمواقف واضحة إزاء الجهات التي تستهدف هذه المنشآت، لا أن يظل في إطار المبادئ العامة.
ويرى منتقدون أن تجاهل تسمية الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها يفرغ أي ميثاق من مضمونه، ويحول قضية حماية المدنيين إلى عبارات إنشائية لا تتناسب مع حجم الجرائم التي شهدتها البلاد طوال سنوات الحرب.
ميثاق جديد دون ضمانات للتنفيذ
أما الناشط وجدان الدوح، فانتقد المفارقة التي ينطوي عليها عقد مؤتمر لإطلاق ميثاق شرف قبلي في جنيف، بينما لا تزال اتفاقيات جنيف والقواعد الدولية المتعلقة بحماية المدنيين عاجزة، عن توفير الحماية المطلوبة لليمنيين.
وتساءل الدوح عن جدوى صياغة مواثيق جديدة في الوقت الذي توجد فيه قواعد راسخة في القانون الدولي الإنساني تلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت المشمولة بالحماية، بما فيها المطارات المدنية، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون لتطبيق هذه القواعد ومحاسبة من ينتهكها.
كما أعاد طرح سؤال جوهري بشأن قدرة القبائل على تنفيذ تعهداتها خارج اليمن، في الوقت الذي لم تتمكن فيه من وقف نزيف الدم وحل النزاعات والحد من الانتهاكات على أرض الواقع طوال سنوات الحرب.
واعتبر أن المسافة الجغرافية بين جنيف واليمن لا يمكن أن تغير من واقع العجز عن اتخاذ مواقف عملية، وأن المشكلة ليست في غياب المواثيق، وإنما في غياب الإرادة والقدرة على تحويلها إلى التزامات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
لا صفة أممية للميثاق والقبيلة
على المستوى القانوني، قدم الباحث والمستشار القانوني الدكتور عمار البخيتي قراءة نقدية للميثاق، اعتبر فيها أن انعقاد الفعالية داخل قصر الأمم المتحدة في جنيف لا يمنح الوثيقة صفة أممية، ولا يجعلها اتفاقاً صادراً عن المنظمة الدولية، موضحاً أن الجهة المنظمة هي مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن ديكاف ، وليس جهة مفوضة من مجلس الأمن لإدارة الملف اليمني.
وأشار البخيتي إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2216 لعام 2015 حدد الإطار المتعلق بالانقلاب وشرعية الدولة اليمنية، وأن حماية المدنيين مسؤولية تقع على عاتق أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز نقل هذه المسؤولية إلى المكونات الاجتماعية أو القبلية بما قد يؤدي إلى إعفاء الأطراف المسلحة من مسؤولياتها القانونية.
وحذر من أن إعادة توصيف الحرب باعتبارها نزاعاً قبلياً يحتاج إلى ميثاق شرف، بدلاً من التعامل معها باعتبارها صراعاً مسلحاً وانقلاباً على مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى إضعاف المساءلة القانونية عن الانتهاكات.
وعلى الصعيد الدستوري، شدد البخيتي على أن القبيلة مكون اجتماعي أصيل ومحترم، لكنها ليست بديلاً عن الدولة، ولا تمتلك صلاحيات إصدار مواثيق ملزمة تتعلق بالحرب والسلم خارج الأطر الدستورية والمؤسساتية.
كما أثار إشكالية التمثيل، متسائلاً عن التفويض الذي يستند إليه المشاركون، ومدى وجود إجراءات شفافة لاختيارهم، وما إذا كانت الوثيقة تعبر بالفعل عن إرادة القبائل اليمنية في الداخل، أم أنها تمثل توافقاً بين شخصيات شاركت في فعالية خارج البلاد.
ودعا البخيتي الحكومة إلى التعامل مع الميثاق باعتباره وثيقة غير رسمية لا تترتب عليها التزامات قانونية على الدولة أو القبائل، وحصر أي دعم دولي لحماية المدنيين في تعزيز مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء والنيابة العامة ووزارة الداخلية واللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.
مواثيق بلا أثر
تكشف الانتقادات المتعددة التي رافقت مؤتمر جنيف عن فجوة بين الخطاب المعلن لحماية المدنيين والواقع الذي يعيشه اليمنيون منذ سنوات، حيث لا تزال ميليشيا الحوثي الإيرانية تفرض حصارها على المدن، وتستهدف الأعيان المدنية، وتواصل عمليات التجنيد والتهجير، في ظل ضعف أدوات الردع والمساءلة.
ولا تكمن الإشكالية في مبدأ حماية المدنيين أو الاستفادة من الأعراف القبلية في حل النزاعات، فهذه أهداف لا خلاف على أهميتها، وإنما في غياب ضمانات التنفيذ، وعدم وضوح الجهة التي ستراقب الالتزام بالميثاق، والآليات التي ستتعامل مع الانتهاكات، وما إذا كان الموقعون يمتلكون فعلاً القدرة على إلزام القبائل والأطراف المسلحة بما ورد فيه.
كما أن عقد الفعالية في جنيف، واستخدام قاعات الأمم المتحدة، لا يكفيان لمنح الوثيقة وزناً سياسياً أو قانونياً، ما لم تستند إلى تمثيل حقيقي وتفويض واضح ومخرجات قابلة للقياس، فضلاً عن ضرورة تحديد المسؤوليات وعدم المساواة بين الدولة ومؤسساتها وبين الجماعات المسلحة الخارجة عنها.
وفي بلد أنهكته الحرب، لا تبدو المشكلة في نقص المواثيق والاتفاقيات بقدر ما تكمن في غياب تطبيقها، واستمرار الإفلات من العقاب، وعجز المبادرات المحلية والدولية عن توفير حماية فعلية للمدنيين.
فبينما كان مشايخ القبائل يطلقون ميثاقهم من جنيف، ظل اليمنيون في الداخل ينتظرون مواقف تترجم تلك الشعارات إلى حماية حقيقية، وتضع حداً للانتهاكات، وتعيد للقبيلة دورها في الدفاع عن المجتمع، لا الاكتفاء بتمثيله في المؤتمرات الدولية.