في منطقة رخمة بمديرية يافع رصد، محافظة أبين، يقف مجمع الشهيد علي محسن للبنات للتعليم الأساسي والثانوي شاهداً على أن التعليم رسالة تصنع الحياة، وأن إرادة المجتمع، حين تتعاضد مع جهود الخيرين، قادرة على فتح أبواب الأمل أمام الأجيال.
فمنذ نحو خمسة عشر عاماً، شهد المجمع تحولاً مهماً تمثّل في تأنيث طاقمه التعليمي، بجهود مخلصة من عدد من أبناء المنطقة، وفي مقدمتهم رجل الخير والعطاء الشيخ فضل بن علي الجعوني، الذي كان لدعمه وإسهاماته أثر بارز في ترسيخ هذا التوجه، وتشجيع الأسر على إلحاق بناتها بالتعليم ومواصلة مشوارهن العلمي.
ولا ننسى موقفه الداعم حين عرضنا عليه مشروع تأنيث الطاقم التعليمي للمدرسة والتعاقد مع معلمات من محافظة أبين، فقال: «على بركة الله، وأنا سأتكفل برواتبهن، وإذا تعاون معي أبناء المنطقة فجزاهم الله خيراً». كما شدد على ضرورة اختيار معلمات مستقيمات، يتحلين بالأخلاق الفاضلة والالتزام الديني، حرصاً على تنشئة الطالبات تنشئة سليمة، في بيئة تعليمية وتربوية آمنة.
وقد أسهمت هذه الخطوة في تعزيز ثقة المجتمع بالتعليم النسوي، وفتحت آفاقاً أوسع أمام الفتيات، بل شجعت بعض النساء المتزوجات على العودة إلى مقاعد الدراسة واستكمال تعليمهن، ولا سيما في المرحلة الثانوية، في صورة تجسد أن طلب العلم لا تحدّه سنوات العمر، ولا تقف أمامه مسؤوليات الحياة متى ما توافرت الإرادة وتيسرت الفرصة.
ومع مرور السنوات، تحول المجمع إلى منارة تعليمية تستقطب أعداداً متزايدة من الطالبات، حتى غدا من أكثر مدارس المنطقة ازدحاماً بهن، الأمر الذي دفع إدارته إلى التعاقد سنوياً مع معلمات من حملة المؤهلات الجامعية والتخصصية من محافظة أبين، لتغطية الاحتياج التعليمي، خصوصاً في المرحلة الثانوية.
ولم يكن هذا التوسع مجرد زيادة في أعداد الطالبات، بل رافقته نقلة نوعية في مستوى التحصيل العلمي، تجلت في تفوق عدد من طالبات المجمع في امتحانات الثانوية العامة على مستوى المديرية والمحافظة خلال سنوات متعددة. كما استفاد المجمع من مخرجاته التعليمية، إذ التحقت بعض خريجاته بالعمل في مجال التدريس، في صورة تعكس أهمية الاستثمار في تعليم الفتاة وبناء قدراتها، وتؤكد أن المدرسة الناجحة تسهم في إعداد كوادرها من بين خريجاتها.
إن ما حققه مجمع البنات في رخمة من نجاحات لم يكن وليد المصادفة، بل كان ثمرة جهود متراكمة، وتضحيات صادقة، وتكاتف بين إدارة المجمع والمجتمع المحلي وأهل الخير، وفي مقدمتهم الشيخ فضل بن علي الجعوني، المعروف بمبادراته الداعمة للتعليم ومساندته للمشاريع التي تخدم أبناء المنطقة وبناتها.
وقد امتد أثر هذا العطاء إلى أسر وجدت في المدرسة نافذة للأمل، وفي التعليم سبيلاً للارتقاء، حتى أصبحت كل خريجة تحمل إلى بيتها وأسرتها نور المعرفة، وتغرس في نفوس أبنائها بذور الوعي والطموح؛ فالأم المتعلمة مدرسة أخرى، ورسالة لا تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي.
وتقديراً لهذه الجهود، واعترافاً بالدور الذي اضطلع به الشيخ فضل بن علي الجعوني (أبو مختار) في دعم المسيرة التعليمية للمجمع، ارتأت إدارة المجمع والإدارة التعليمية في المنطقة التعليمية رخمة منحه موقعاً شرفياً ومعنوياً يليق بإسهاماته ومكانته في المجتمع. وبناءً على ذلك، جرى انتخابه رئيساً فخرياً لمجلس الآباء بالمجمع، تعبيراً عن الوفاء لرجل جعل من دعم التعليم باباً للعطاء، ومن مساندة الطالبات استثماراً في مستقبل المنطقة.
إن اختيار الشيخ فضل الجعوني رئيساً فخرياً لمجلس الآباء ليس مجرد منصب شرفي، بل رسالة تقدير وعرفان لكل من جعل العلم أولوية، وآمن بأن نهضة المجتمعات تبدأ من مدارسها، وأن تعليم الفتاة ليس مكسباً لها وحدها، بل رافعة للأسرة والمجتمع بأسره.
وهكذا يواصل مجمع الشهيد علي محسن للبنات في رخمة أداء رسالته التربوية، حاملاً مشعل العلم في وجه التحديات، ومؤكداً أن المدرسة التي تتكاتف حولها الأيادي المخلصة لا تخرّج طالبات فحسب، بل تسهم في إعداد أمهات واعيات، ومعلمات مؤهلات، ونساء قادرات على الإسهام في بناء المجتمع وصياغة مستقبله.
فكل التحية لكل يد امتدت بالعطاء، ولكل قلب آمن برسالة التعليم، ولكل من جعل دعم المدرسة عهداً للوفاء ومسؤولية تجاه الأجيال؛ فبالعلم تزهر العقول، وبالعطاء تُبنى المدارس، وبالمرأة المتعلمة ترتقي الأسرة وتنهض المجتمعات.
تحديات تهدد استمرار المسيرة التعليمية
وعلى الرغم من النجاحات التي حققها المجمع خلال السنوات الماضية، فإنه يواجه هذا العام تحديات مالية وتعليمية تهدد استمرار العملية التعليمية بالصورة المطلوبة. وتتمثل أبرز هذه التحديات في عدم توفر الميزانية التشغيلية اللازمة للتعاقد مع 21 معلمة، من بينهن معلمات من بنات المنطقة، وهن من خريجات المجمع، يتولين التدريس في مرحلة التعليم الأساسي، إلى جانب معلمات من محافظة أبين من خريجات الجامعات يتولين تدريس المرحلة الثانوية.
وقد أدى عدم توفر الدعم المالي اللازم إلى توقف الدراسة لطالبات الصفين الثاني والثالث الثانوي، الأمر الذي يضع مستقبل الطالبات أمام تحدٍ حقيقي، ويهدد جهود سنوات من العمل والعطاء التي بذلها أبناء المنطقة والخيرون للحفاظ على تعليم الفتاة وتوسيع فرصها في مواصلة تحصيلها العلمي.
وإلى جانب هذه الصعوبات، يعاني المجمع من نقص حاد في الفصول الدراسية، في ظل تزايد أعداد الطالبات وضيق المساحة التعليمية المتاحة. وقد اضطرت إدارة المجمع إلى نصب خيمة لتوفير مكان تُدرَّس فيه تلميذات الصف الأول الابتدائي، في مشهد يعكس حجم الاحتياج الذي تعانيه المدرسة، ويؤكد ضرورة توفير بيئة تعليمية مناسبة تضمن للطالبات حقهن في التعلم في ظروف ملائمة.
إن هذه التحديات تستدعي وقفة جادة من الجهات المعنية والسلطة المحلية ومكتب التربية والتعليم وأهل الخير، للعمل على توفير الدعم المالي اللازم لاستمرار التعاقد مع المعلمات، وإعادة الدراسة لطالبات الصفين الثاني والثالث الثانوي، إلى جانب العمل على توفير فصول دراسية إضافية تلبي احتياجات المجمع المتزايدة.
فالحفاظ على هذا الصرح التعليمي ليس مسؤولية إدارته وحدها، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة، تتطلب تضافر الجهود من أجل حماية ما تحقق من مكتسبات، وضمان استمرار تعليم الفتيات، وعدم السماح للظروف المالية ونقص الإمكانات بأن تعرقل مسيرتهن التعليمية.
إن مجمع الشهيد علي محسن للبنات في رخمة يستحق أن تتواصل مسيرته، وأن يحظى بالدعم الذي يمكّنه من أداء رسالته؛ فهو ليس مجرد مبنى مدرسي، بل مشروع علم وأمل ومستقبل، أثبتت سنوات عطائه أن الاستثمار في تعليم الفتاة هو استثمار في الأسرة والمجتمع والأجيال القادمة.
يافع رصد - الاعلام التربوي