لا تزال الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني بالعاصمة المؤقتة عدن تتصدر مشهد الخلافات بين شركاء السلطة، الذين تسببوا في تعطيل عمل الهيئة وتوقيف مصالح المواطنين.
وتعد مشكلة الأراضي في عدن من أكثر المشاكل تعقيدًا منذ سنوات، على خلفيات عمليات النهب والسطو التي شهدتها المدينة من قبل متنفذين والقوى المسلحة المتعددة الولاءات، الأمر الذي تسبب في خلافات عميقة بين الحكومة وتلك القوى خلال العامين الأخيرين.
وعلى ضوء ذلك، تواصل تلك القوى تعطيل عمل الهيئة، رغم التغييرات التي أجرتها الحكومة في قيادة الهيئة، على ضوء ترشيحات وزير الدولة محافظ عدن عبدالرحمن شيخ في سبتمبر الماضي.
«المنتصف» زار الهيئة للوقوف على حقيقة شكاوى المواطنين من عدم مباشرة قيادة الهيئة الجديدة لعملها، رغم مرور شهرين على تعيينها، خاصة مدير الهيئة المهندس أحمد حسن الميسري، وخرجنا بهذه المحصلة.
يؤكد مدير عام الهيئة الميسري، الذي حضر إلى بوابة الهيئة صباح اليوم الثلاثاء وغادرها بحجة أن لديه اجتماعات خارجية، أبرزها مع وزارة المالية، أن سبب تعطيل عمل بعض الإدارات في الهيئة هو المسؤولون السابقون الذين فقدوا مصالحهم التي تدر عليهم الملايين.
وأوضح أن أولئك المسؤولين المحسوبين على كيانات منحت أنصارها الحق في نهب ومصادرة أراضي الغير في عدن ومناطق أخرى، عمدوا إلى توثيق ذلك عبر القيادة السابقة للهيئة، بمخالفات للقانون والوثائق الرسمية الممنوحة لأصحاب الأراضي الحقيقيين.
وأشار إلى أن تلك المخالفات كانت تدر الملايين على المسؤولين السابقين الذين يعمدون اليوم إلى تعطيل عمل القيادة الجديدة والهيئة عمومًا، برفضهم إجراء تقييم وجرد وتسليم للملفات والوثائق الخاصة بالأراضي ومقارنتها بالملفات والوثائق والسجلات القديمة.
وأكد للمنتصف أن معظم إدارات الهيئة تعمل، عدا المتعلقة بالتوثيق والأرشيف والسجلات، حيث تكمن الإشكالية، إلا أنه عاد وأكد أنه وجميع المسؤولين الذين منحتهم الحكومة الثقة سوف يباشرون عملهم بالكامل الأسبوع المقبل على أقل تقدير.
وقال إن الهيئة تواصل فرز الملفات وإجراء عملية الجرد والفرز لمعرفة المخالفات التي تمت خلال الأعوام الأخيرة، لافتًا إلى وجود مخالفات وقضايا عدة، بعضها منظور أمام المحاكم، وأخرى يتم البحث عن أصولها ومطابقتها مع السجلات والأرشيف، وهي كثيرة.
وأضاف: «هذه مسؤولية كبيرة وتحتاج إلى وقت طويل لحلها، كما يعرف الجميع مشكلة الأراضي والعقارات في عدن من أعقد وأصعب وأكثر المشاكل التي تواجه السلطات والجهات المعنية، نتيجة عمليات النهب والسطو والمصادرة والتزوير والبيع أكثر من مرة»، متمنيًا من الجميع التماس العذر لهم بسبب تأخر بدء العمل كاملًا في الهيئة.
وحذر الميسري من وجود سماسرة من المسؤولين السابقين وحتى من الحاليين، بمن فيهم الحراسة، يسعون إلى ابتزاز المواطنين الذين لديهم معاملات يريدون إنجازها، خاصة فيما يتعلق بالتوثيق، كما حذر من محاولة تمرير عمليات توثيق مخالفة لعمليات بيع فوق بيع والبيع لأكثر من شخص، فضلًا عن معاملات الجمعيات السكنية.
ومن خلال مشاهدتنا وتجوالنا في الهيئة، لاحظنا وجود أولئك السماسرة الذين حاولوا معنا قبل أن يكتشفوا أننا نرافق بعض المعاملين، كما ادعينا، وليس لدينا أي معاملات. وكان بعضهم ينتمي إلى الحراسة المكلفة بالحماية وتنظيم المواطنين الذين لديهم معاملات في الهيئة.
ورغم ما أورده الميسري من تبريرات لعدم مباشرته عمله في الهيئة، والتي معظمها منطقية، إلا أنها لا تعفيه من تحمل مسؤولياته التي أوكل بها وقبل فيها، والتي من أبرزها تصحيح المخالفات التي شهدتها الهيئة خلال الأعوام الأخيرة، والتي تسببت بخلافات واسعة بين المجلس الانتقالي المنحل والحكومة، وكانت النواة الرئيسية للخلافات بين شركاء السلطة، وفي مقدمتهم أعضاء مجلس القيادة الرئاسي.
يذكر أن رئيس الحكومة شائع الزنداني كان أصدر في سبتمبر قرارات بتغييرات إدارية في فرع الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني بالعاصمة المؤقتة عدن، بعد أكثر من عام على تعطل أعماله، وسط خلافات وتدخلات رافقت إدارة ملف الأراضي.
وشملت التغييرات الجديدة، التي جاءت بناءً على ترشيح محافظ عدن عبدالرحمن شيخ، تعيين المهندس أحمد حسن أحمد ميسري مديرًا عامًا لفرع الهيئة، والمهندس عبدالقادر عبدربه عوض ثابت نائبًا للمدير لشؤون الأراضي، والدكتور المهندس أحمد عمر عثمان الحداد نائبًا للمدير للشؤون الفنية، والدكتور المهندس ظهير عبدالصمد ثابت سالم نائبًا للمدير لشؤون السجل العقاري، والمهندسة إيناس أحمد عبدالله شقراء مديرةً لإدارة التخطيط العمراني، والمهندس أحمد عبده أحمد محمد مديرًا لإدارة المساحة والشؤون الفنية.
وفي ذات الفترة، عمل محافظ عدن على لقاء الإدارتين السابقة والجديدة لفرع هيئة الأراضي، حيث جرى بحث إجراءات تسليم المهام وضمان استمرار العمل والمعاملات دون تأثر مصالح المواطنين.
وجاءت التغييرات بعد توقف أعمال الهيئة منذ 5 مايو 2025، حين أصدر رئيسها آنذاك سالم ثابت العولقي تعميمًا بوقف أعمال الفروع حتى إشعار آخر، مبررًا ذلك بـ«ترتيب أوضاع الهيئة» و«استكمال المراجعة الشاملة وتقويم الأداء». وتصاعدت الأزمة لاحقًا مع الخلافات حول إدارة ملف الأراضي ومسار الإصلاحات، قبل أن يقدم العولقي استقالته في 9 سبتمبر 2025، عازيًا ذلك إلى «تدخلات وعرقلة لمسار الإصلاحات والتنازع في الصلاحيات»، بعد أسابيع من قرارات أصدرها في 24 أغسطس لإعادة ترتيب أوضاع فرع عدن وتعيين مسؤولين في عدد من إداراته.
وفي 10 سبتمبر 2025، أصدر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي قرارًا بتعيين المهندس محمد ناصر عبادي عبدالقوي رئيسًا للهيئة خلفًا للعولقي، قبل أن تُجرى في اليوم التالي مراسم تسليم مهام للعبادي بحضور قيادات في المجلس، فيما غاب العولقي عنها.
واستمرت أزمة هيئة الأراضي قائمة حتى سبتمبر 2026، حيث جرى التغيير الجديد، لكن تداعيات الأزمة لا تزال قائمة مع تراكم معاملات المواطنين والملفات العقارية وتعطل أعمال فرع عدن، فيما تأتي التعيينات الجديدة في محاولة لإعادة تفعيل الفرع وإنهاء حالة الجمود الإداري.