بدلاً من أن يكون الانتشار العسكري في مناطق وادي حضرموت عنواناً لحماية السكان وفرض الاستقرار، تتحول تحركات قوات الطوارئ، بحسب بيانات قبلية ومحلية، إلى مصدر جديد للاحتقان مع أبناء المنطقة، على خلفية استحداث نقاط وثكنات عسكرية داخل مناطق مأهولة ومنع تحركات سلمية تطالب بإزالتها.
وفي أحدث التطورات، شهدت منطقة ميزان الخشعة بقرية ظاهر، غربي وادي حضرموت، الخميس 5 نوفمبر، منع أبناء المنطقة من تنظيم تجمع سلمي للمطالبة بإزالة نقطة عسكرية مستحدثة وإيصال مطالبهم إلى القيادات العليا، وسط اتهامات باحتجاز عدد من المشاركين.
ولا تبدو المشكلة، وفق البيانات المحلية، مرتبطة بمجرد إنشاء نقطة أمنية، وإنما بطريقة فرضها وموقعها والتعامل مع اعتراضات السكان. ويقول الحكم الدكتور عبدالرب بن ثابت النهدي إن قوات الطوارئ أقامت نقطة وثكنات عسكرية وسط الأحياء السكنية ومنازل المواطنين، وعلى مسافة تقل عن كيلومتر من النقطة الأساسية في الخشعة، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة بين أبناء المنطقة.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً يتجاوز النقطة العسكرية ذاتها: هل تحتاج حماية وادي حضرموت إلى مزيد من النقاط داخل التجمعات السكانية، أم إلى معالجة أسباب التوتر مع السكان أنفسهم؟
فالقوة الأمنية التي تجد نفسها في مواجهة الأهالي بسبب موقع انتشارها وطريقة تعاملها مع مطالبهم تخاطر بفقدان أحد أهم عناصر نجاح أي ترتيبات أمنية، وهو القبول المحلي. وحين تتحول المطالبة بإزالة نقطة إلى تجمع ممنوع واحتجاز محتجين، فإن القضية تأخذ منحى مختلفاً، وتنتقل من إجراء أمني إلى أزمة ثقة بين القوة المنتشرة والمجتمع الذي يفترض أن تحميه.
ويقول النهدي إن أبناء المنطقة سبق أن طرقوا أبواب الجهات المعنية لمعالجة القضية، لكن مطالبهم قوبلت، بحسب وصفه، بالتجاهل والتسويف، قبل أن تتصاعد التطورات بمنع التجمع واحتجاز عدد من المواطنين.
وفي موقف يعكس اتساع دائرة الاعتراض، أعلن حلف قبائل حضرموت وقوفه إلى جانب قبائل نهد، منتقداً ما وصفه بالأفعال الاستفزازية لقوات الطوارئ في غرب وادي حضرموت، واستحداث نقاط وثكنات عسكرية وسط الأحياء السكنية.
ويكشف دخول الحلف القبلي على خط الأزمة أن القضية لم تعد مجرد خلاف بين سكان وقوة أمنية حول نقطة عسكرية، بل بدأت تكتسب بعداً قبلياً قد يصعب احتواؤه إذا استمر التعامل معها بمنطق الأمر الواقع، خصوصاً في منطقة ترتبط فيها القضايا الأمنية بحساسيات اجتماعية وقبلية شديدة.
والأخطر أن استمرار هذا النهج قد يمنح خصوم السلطة فرصة لاستثمار حالة السخط الشعبي والقبلي، ويحوّل الانتشار الأمني من أداة لضبط الاستقرار إلى عامل يغذي الاحتقان. فالأمن لا يُقاس بعدد النقاط والثكنات، بل بمدى قدرة القوات على حماية السكان من دون تحويلهم إلى طرف في مواجهة معها.
كما أن فرض مواقع عسكرية داخل الأحياء، إذا تأكدت هذه الوقائع، يضع الجهات الأمنية أمام مسؤولية مراجعة مبررات الانتشار ومواقع تمركز القوات، والبحث عن بدائل لا تضع المنشآت العسكرية في تماس مباشر مع حياة المواطنين اليومية.
وفي المقابل، فإن الاستمرار في تجاهل المطالب المحلية أو مواجهة التجمعات السلمية بالمنع والاحتجاز قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكبر، خصوصاً مع إعلان قبائل نهد وحلف قبائل حضرموت رفضهما لهذه الإجراءات.
وتحتاج القضية، قبل أن تتحول إلى أزمة أمنية وقبلية مفتوحة، إلى قرار واضح من القيادات العليا يحدد طبيعة النقاط المستحدثة وأسباب إنشائها، ويفصل بين متطلبات الأمن وبين حق السكان في التعبير عن اعتراضاتهم، مع معالجة وضع المحتجزين وفتح حوار مباشر مع المرجعيات المحلية.
فحضرموت لا تحتاج إلى معركة جديدة بين القوات والسكان، بقدر ما تحتاج إلى ترتيبات أمنية تحظى بثقة المجتمع المحلي. وأي انتشار عسكري يفقد هذه الثقة قد يتحول، paradoxically، من وسيلة لحماية الاستقرار إلى أحد أسباب تهديده.