بين أزقة مدينة تعز المحاصرة التي أنهكتها سنوات الحرب، وتئن تحت وقع الحصار المطبق وغلاء المعيشة وانقطاع سبل الدخل، تتكشف فصول جديدة من مفارقات العمل الإنساني الذي تحول في نظر الكثيرين إلى "تجارة مأساة". فقد ضجّت منصات التواصل الاجتماعي والشارع التعزي بشكاوى واسعة إثر أسئلة صادمة طرحتها فرق المسح الميداني التابعة لمنظمة كير، تركزت على حصر وجود "الغسالات، العصارات، والأثاث" داخل المنازل، وكأن امتلاك قطعة أثاث متهالكة اشترتها الأسرة قبل أعوام السقوط الاقتصادي كفيل بإثبات "ثرائها" وحرمان أطفالها من كسرة خبز.
هذه المفارقة أشعلت موجة غضب عارمة تجاه التفاوت الهائل بين ملايين الدولارات التي تتدفق لدعم جياع تعز، وبين "الفتافيت" التي تصل للمحتاجين مقارنة بالمرتبات الخيالية التي يتقاضاها مسؤولو ومدراء المنظمات الدولية والمحلية؛ ليصدح صوت الشارع بصرخة مدوية: “إنها قسمة ضيزى.. أعيدوا التفكير أو اوقفوا هذه المشحاته!”.
في هذا الاستطلاع الصحفي، تسلط "المنتصف" الضوء على هذه الأزمة المعيارية والإنسانية عبر شهادات ورؤى متنوعة من قطاعات المجتمع المختلفة:
سقوط المعايير وغياب العدالة الاجتماعية
أحمد المخلافي (باحث ومهتم بالشؤون الإدارية والتنموية) قال: "ما يحدث في تعز تحت مسمى 'التقييم الميداني' هو انقلاب كامل على مبادئ الإغاثة الإنسانية. أن تسأل باحثاً أسرة تعيش بلا دخل ولا قوت يومها عن وجود غسالة أو أثاث، فهو تعسف وجهل بطبيعة المجتمع اليمني الذي اقتنى ممتلكاته البسيطة في زمن الاستقرار قبل الحرب.
الحصار الحوثي دمر الاقتصاد المحلي، وتحول الجميع إلى فقراء، فالمعيار الحقيقي يجب أن يقيس العجز الغذائي ومستوى الدخل الفعلي، لا فحص ركام الأثاث القديم لحرمان الناس من حقوقهم المشروعة."
استياء واسع من معايير "الاستكشاف الشكلي"
وليد الشرجبي (ناشط شبابي وميداني) قال: "الشارع في تعز يغلي من هذه التناقضات. المواطن البسيط الذي يبحث عن قيمة كيلو طحين يُصدم بباحثين يبحثون عن 'الرفاهية المزعومة' في منازل مدمرة. الغسالة التي يسألون عنها إما معطلة لعدم وجود كهرباء، أو مجرد حديد مهترئ لا يُسمن ولا يغني من جوع. هذه الأسئلة تكرس شعوراً عاماً بأن بعض المنظمات تبحث عن أعذار لتقليص أعداد المستفيدين وتوفير الميزانيات لمصالح أخرى، بعيداً عن جوهر الإغاثة."
كرامة الأسرة في مواجهة الجوع
أمل الحكيمي (ناشطة مجتمعية وحقوقية) قالت: "المرأة والأطفال في تعز يدفعون الثمن الأكبر. حين تُحرم أم من المساعدة لأنها تمتلك أريكة قديمة أو ثلاجة لا تعمل، فهذا يعني أن المنظمات تطلب من الناس بيع آخر ما تبقى من كرامتهم ومقتنياتهم لكي يثبتوا أنهم فقراء! هذا عبث إنساني. الأسر اليوم بحاجة إلى استجابة حقيقية لكرامتها لا إلى استمارة مسح تجردهم من أبسط حقوق العيش البشري." فالجميع اليوم محتاجون ويستحقون المساعدة وهي حق من حقوقهم.
انعكاسات الظلم الإنساني على الاستقرار المجتمعي
العقيد المتقاعد عبدالرحمن السفياني قال: "من الناحية الأمنية والمجتمعية، فإن خلق حالة من الإحباط واليأس بين أوساط المواطنين المحاصرين يمثل خطراً حقيقياً على التماسك الاجتماعي. عندما يرى المواطن أن الدعم المُخصص للمحاصرين يتلاشى في أروقة الإدارات والنفقات التشغيلية الباهظة، وتُوزع المساعدات بمعايير مجحفة، يتولد شعور بالظلم يهدد السلم الأهلي. الإغاثة ليست منّة، بل التزام أخلاقي وقانوني يجب أن يُدار بعدالة ونزاهة مطلقة."
فجوة الرواتب والفتافيت الإغاثية
سامي العريقي (رجل أعمال وتاجر محلي) قال: "لنتحدث بلغة الأرقام والشفافية التي يتهرب منها البعض؛ هل يعقل أن يتقاضى مدير في منظمة دولية أو محلية مرتباً شهرياً يوازي قيمة مائتي سلة غذائية كاملة، بينما يُصرف للمواطن المحتاج مبلغ زهيد لا يتجاوز عشرين ألف ريال يمني؟ هذه ليست مساعدة، بل هي مفارقة اقتصادية مؤلمة. الملايين من الدولارات تُرصد لإغاثة تعز، لكن الهيكل الإداري والتشغيلي يلتهم النصيب الأكبر، وما يصل للمستفيد الفعلي هو مجرد فتات لا يسد رمقاً."
دعوة لجذريات التغيير والرقابة
د. عبدالباري القُدسي (أكاديمي وباحث تنموي) قال: "لقد وصلت الأمور إلى مرحلة باتت تتطلب وقفة جادة وصارمة. إذا لم تقم منظمات مثل برنامج الغذاء العالمي ومنظمة 'كير' بمراجعة شاملة لسياساتها ومعاييرها في اليمن، فإنها تفقد مصداقيتها تدريجياً وتتحول إلى جزء من الأزمة لا الحل. 'تجارة المأساة' يجب أن تتوقف، ويجب إخضاع آليات الصرف والمسح الميداني لرقابة مجتمعية ومحلية دقيقة تضمن وصول الدعم لمن يستحقه حقاً، أو فليتم إيقاف هذه العبثية التي تسيء للعمل الإنساني برمته."
الختام:
ينتهي هذا الاستطلاع عند خط التماس مع وجع مدينة تعز، ليترك السؤال المعلق أمام الجهات المانحة والمنظمات الدولية: هل ستستمر سياسة غض الطرف عن تضخم نفقات الإداريين مقابل فتافيت المحتاجين ومعايير الغسالات والأثاث؟ أم أن صرخة الشارع ستجد من يعيد بوصلة الإنسانية إلى مسارها الصحيح؟